Saturday, April 14, 2007

اللبنانيون يهجسون بالحرب الأهلية في ذكراها

بعضهم يفاخر بصواريخه « المقاوِمة » وآخرون لا ينفون اقتناء « قطع فردية » 
اللبنانيون يهجسون بالحرب الأهلية في ذكراها والاتهامات المتبادلة بالتسلح تغذي مخاوفهم

منال أبو عبس
Al-Hayat (2,001 كلمة)
تاريخ النشر 14 أبريل 2007


بعد 17 عاماً على انتهاء الحرب الأهلية في لبنان، عاد الحديث عن « شبح التسلح » ليتصدر واجهة النقاشات السياسية والجماهيرية. وعلى رغم إنكار القوى السياسية الرئيسة اتخاذها قرارات مركزية بالتسلح (باستثناء « حزب الله » الذي يقول إن سلاحه موجه ضد العدو الإسرائيلي)، فإن عينة واحدة من الاتهامات التي يكيلها قياديو 8 و14 آذار في حق بعضهم بعضاً كافية لإشعار المواطن بأن شاحنات السلاح »تمر من تحته من دون أن يدري«. ويدب الرعب في عروق من ليس مسلحاً بعد.

تكثفت اتهامات التسلح خلال الأشهر الأخيرة على ألسنة كل الأطراف السياسيين. ولم تمر مرور الكرام على مسامع اللبنانيين. عامان من التوتر الأمني والتعبئة السياسية والتجييش ضد الأطراف الأخرى، كانا كفيلين بعودة ازدهار تجارة الأسلحة (الفردية) التي خمدت خلال الأعوام الـ15 الماضية.

موجة التسلح الفردي لا ينكرها أي من القائمين على الشأن السياسي في البلد. كما لا تخفي الأحزاب الفاعلة قيام مناصريها أو المنضوين تحت ألويتها بالتسلح »الفردي« خوفاً من هجمة الآخر في خطوة قد تكون الأولى في طريق اعتماد سياسة الأمن الذاتي.

حماية بيتي ومنطقتي!

قبل نحو عام ابتاعت انطوانيت مسدساً حربياً من تاجر أسلحة في البقاع. تقول انطوانيت إن المهمة كانت سهلة: »أخبرت صديقاً لي بأنني وزوجي خائفان بعد هجوم الإسلاميين على منطقتنا (الأشرفية) في 5 شباط (فبراير) من العام الماضي، وبأننا نفكر في شراء سلاح للدفاع عن بيتنا في حال وقوع سوء«. الصديق لم يكذب خبراً، كما تقول انطوانيت. رافقها إلى منزل صديقه الذي بدوره يتاجر بالسلاح سراً، واشترت المسدس بسعر معقول.

تسعى انطوانيت اليوم للحصول على »قطعة أخرى« لأختها التي تقيم في شارع بشارة الخوري. ولكنها تقول إن عليها الانتظار »لأن التاجر وعدنا بتأمين القطعة بعد أسبوع، إنما بسعر يبلغ ضعفي ثمن قطعتي«.

في مقابل أنطوانيت التي تنتمي إلى »التيار الوطني الحر« (من المعارضة اللبنانية)، تقطن في منطقة الطريق الجديدة عائلة من أربعة أولاد وأم وأب. العائلة تناصر »تيار المستقبل« بزعامة النائب سعد الحريري. وتقول الأم التي تعمل في مدرسة رسمية إن »دمنا فدا الشيخ سعد«. بعد أيام من حادثة الجامعة العربية في 25 كانون الثاني (يناير) الماضي اشترى الابن الأكبر في العائلة (22 سنة) وعدد من رفاقه أسلحة فردية »لحماية المنطقة«.

الأم لا تخفي قلقها من الأمر، ولكنها تقول: »ثارت ثائرتي لأيام وصرت أخاف عليه كلما خرج من البيت، لكن ما الذي يمكن أن نقوله لشبان رأوا منطقتهم تستباح من آخرين؟«.

السلاح الفردي

يجمع ممثلو الأحزاب في فريقي السلطة والمعارضة على عدم وجود قرار مركزي من قياداتهم بتسليح مناصريها. ويدرج كل منهم حركة بيع السلاح التي يؤكدها التجار والمشترون على حد سواء، في خانة الخوف الفردي من الآخر. وقد يكون إدراج مصدر في »القوات اللبنانية« التجارة المتنامية في خانة »ميل اللبناني منذ القدم إلى اقتناء الأسلحة«، أكثر التحليلات وردية من بين كل ما سيسوقه ممثلو الأحزاب المتصارعة. ويضيف إلى نظريته دليلاً آخر: »الميليشيا لا تشتري من تاجر. وارتفاع أسعار الأسلحة في السوق دليل على عدم وجود قوى ممولة له«.

المسؤول الإعلامي في »حزب الله« حسين رحال يرى في التسلح الفردي تصرفاً منطقياً في بعض الحالات. »بعض الناس يريدون حماية أنفسهم«، مشيراً إلى ان »جهات (قوى 14 آذار) تمول الناس ليشتروا السلاح«.

منطقية التسلح الفردي يؤكده مفوض الإعلام في »الحزب التقدمي الاشتراكي« رامي الريس: »ليس هناك حركة تسلح منظمة للأفراد. ما يحصل حالياً هو جزء من نشاط فردي أسهم الخطاب السياسي المتوتر في تغذيته ولا يمكن أن ندرجه في سياق تسلح أحزاب 14 آذار«. ويرمي الكرة في ملعب »حزب الله« الذي »يعترف بامتلاكه السلاح ويفاخر بذلك«.

وسط زوبعة الاتهامات، يبدو »التيار الوطني الحر« حليف »حزب الله«، الفريق الأكثر بعداً من الشبهة بالتسلح. خصوم »التيار« يتهمون النائب ميشال عون بإعادة عسكريين سابقين إلى واجهة المسؤوليات التنظيمية من أجل مواجهة خصومه عندما تبرز الحاجة إلى السلاح. مسؤول لجنة الإعلام في »التيار« طوني نصرالله ينفي علمه بوجود حركة تسلح في صفوف مناصريه. ويقول إن »التيار لم يكن في يوم من الأيام ميليشيا عسكرية، والتسلح يتناقض مع إيمان التيار بالتغيير من خلال المجتمع المدني«.

حرب عون مع »القوات اللبنانية« خلال الحرب الأهلية يدرجها نصر الله في خانة »حرب الجيش اللبناني ضد اللاشرعية«. غير أن أي تسلح محتمل في الصف المسيحي يرده نصر الله إلى خطاب جعجع الذي أخاف المسيحيين من جرهم الى حرب.

الآخرون يتسلحون

»القوات اللبنانية« و »الحزب التقدمي الاشتراكي« حزبان رئيسيان لا تغفل قوى المعارضة مناسبة للحديث عن تسلحهما في شكل مكثف، كما تغمز إلى تسلح بقية قوى 14 آذار.

يؤكد رحال أن »حركة تسلح قوى الأكثرية، تغطيها الأجهزة الأمنية التي تعمل للدولة التي اعترف (وزير الداخلية بالوكالة سابقاً أحمد) فتفت انه تم تعيين 12 ألف عنصر جديد من الجماعة التابعة لهم في هذه الاجهزة«، كما يشير إلى معلومات عن »تنظيم أحزاب الموالاة دورات تدريبية عسكرية لعناصرها في الأردن ودول عربية أخرى«، معلناً انه استقى معلوماته »من أقارب الذين شاركوا في هذه الدورات«.

يشير رحال إلى وجود »مخازن سلاح يملكها الحزب التقدمي الاشتراكي الذي لم يسلم سلاحه الثقيل بعد الحرب في الجبل«، ويقول إن »السلاح الموجود في أيادي مناصري قوى السلطة ليس فردياً. ويخص بذلك »القوات اللبنانية« التي »تسترجع سلاحها المهرب إلى الخارج«.

يخص رحال »تيار المستقبل«، آخر المستجدين على لائحة المتهمين بالتسلح: »يوظفون شباناً في شركات أمنية (وهمية)، ويقدمون إليهم السلاح والتدريب العسكري«. ويشير إلى »حادثة وقعت في 23 آذار (مارس) الماضي عندما احتجز عناصر من الأجهزة الأمنية في شتورا (البقاع الأوسط) مصوراً صحافياً يصور »بنك البحر المتوسط« (الذي يملكه آل الحريري) خلال توزيع جماعة المستقبل السلاح وضربوه وكسروا كاميراته«. ويضيف: »ترسانة الأجهزة الأمنية التابعة لتيار المستقبل حولت الدولة إلى ميليشيات«.

في صف المعارضة ينضوي أيضاً طوني نصر الله. ولا يبدو كلامه مختلفاً عن كلام رحال. إذ وجود »معلومات من مصادر إعلامية وأمنية ومشاهدات تشير إلى تسلح قوى السلطة«، مبرراً عدم الكشف عن مكان وجود الأسلحة بـ »سهولة نقلها من مكان إلى آخر بتغطية من الأجهزة الأمنية الموالية للسلطة«.

ادعاءات مضادة

اتهامات المعارضة الأخيرة ينفيها المصدر في »القوات اللبنانية«. ويقول إن »قوى 8 آذار ترمي الاتهامات من دون أن يكون عندها دلائل. أين يمكننا أن نخبئ المدافع والدبابات والصواريخ من دون أن يراها أحد. كما أن الأسلحة الثقيلة في حاجة إلى ظروف تخزين لا نمتلكها و »حزب الله« يعرف ذلك جيداً«، غامزا من قناة »مربعات أمنية (تابعة لحزب الله) في الجنوب والبقاع والضاحية لا يسمح بالدخول إليها«.

إيمان المسيحيين بالدولة وتمسكهم باتفاق الطائف، سبب آخر يسوقه المصدر ضد الاتهامات. ويقلل من شأن السلاح الفردي لمناصري قوى 14 آذار »إذا ما قورن باعتراف حزب الله بأنه استعاد ترسانته الصاروخية التي دمرتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة«.

الريس بدوره ينفي الاتهامات، ويقول إن »اتهام حزب الله لقوى الأكثرية بالتسلح ينبع من عدم قدرته على إيفاء الالتزامات التي تعهد بها لجمهوره«، مشيراً إلى أن »التهديد بوثائق خفية لا يظهر لها اثر هو دليل على عدم وجودها«. ويضيف: »آخر من يحق له الحديث عن التسلح هو من يملك ترسانة لا ندري ما جدواها بعد القرار 1701 وانتشار الجيش في الجنوب«.

»حزب الله» والداخل

لا يبدو أطراف الأكثرية مقتنعين بمقولة إن سلاح »حزب الله« موجه فقط ضد إسرائيل. ولا يلقى تأكيد طوني نصر الله حصول »التيار« على تعهد من »حزب الله« بعدم استخدام سلاحه في الداخل أي صدى يذكر.

المصدر في »القوات اللبنانية« يسجل موقفاً متقدماً على تعهدات نصر الله وتأكيد رحال، ويشير إلى أن »حزب الله« يستخدم سلاحه فعلياً في الداخل منذ وقت: »السلاح يمكن أن يستخدم في المعارك المباشرة أو كوسيلة للضغط السياسي، و »حزب الله« يستخدم سلاحه بالطريقة الثانية يومياً. عندما يقول أمينه العام إنه لن يسلم سلاحه إلا وفق شروط سياسية معينة يكون يستخدم سلاحه للضغط«. الريس بدوره يؤكد أن »حزب الله استعمل سلاحه داخلياً في غزوات 23 و25 كانون الثاني الماضي«، مشيراً إلى »شاحنات أسلحة ضبطت وفيها أسلحة لا تنفع في مقاومة إسرائيل، إضافة إلى ضبط مخازن أسلحة في الكورة لحلفاء »حزب الله«. ويحسم بأن مسألة »تسلح قوى 8 آذار واضحة«.

الاتهامان الأخيران يرد عليهما رحال بأنهما »مناورة من جانب فريق السلطة«، مشيراً إلى أن أسلحة »الحزب السوري القومي الاجتماعي التي ضبطت في الكورة كانت موجودة في المخازن منذ زمن الحرب الأهلية والتحقيقات أثبتت عدم صلاحيتها للاستخدام مجدداً«. كما أن »شاحنة السلاح المضبوطة كانت تحوي صواريخ غراد وهاون كالتي استخدمها »حزب الله« في معارك مارون الراس وبنت جبيل، وهي بذلك جزء من سلاح المقاومة الموجه ضد إسرائيل«.

التسلح الفردي والحرب الأهلية

»الأسلحة الفردية لا تؤدي إلى الحرب الأهلية من دون قرار سياسي«، الاستنتاج الأخير يسوقه كل من مصدر »القوات« والريس. ولا ينفيان تسلح أفراد من حزبيهما في شكل فردي.

ويفسر مصدر القوات بأن »سلاح الحرب الأهلية هو العبوات التي يملكها ويستخدمها الفلسطينيون و »حزب الله« ضد إسرائيل. هذه العبوات استخدمت ضد فريق 14 آذار الذي بالتالي لا يملكها«. في حين يؤكد الريس أن »ليس عندنا توازن عسكري (في الاسلحة) مع »حزب الله« لنبدأ الحرب«.

رحال لا يبدو مقتنعاً بمقولة توازن الأسلحة. ويشير إلى أن »السلاح الذي يأتون به (14 آذار) له دور في افتعال نوع من الحرب الأهلية تؤدي إلى تقسيم لبنان«.

ووسط اتهامات الفرقاء الاستباقية لبعضها بعضاً بالتحضير لحرب أهلية قد تكون مقبلة، يؤكد نصر الله أنه »في حال وقعت الحرب يكون انتهاء لصيغة لبنان«.

Tuesday, March 20, 2007

« حزب الله » نقل معركته إلى بيروت ... ونسينا

جنوبيون لبنانيون بعد أشهر على وقف الحرب: « حزب الله » نقل معركته إلى بيروت ... ونسينا

منال أبو عبس
Al-Hayat (1,172 كلمة)
تاريخ النشر 20 مارس 2007

في تموز (يوليو) الماضي، كانت أم قاسم تضع الطعام على المائدة، عندما دخل شاب من المقاومة ليخبر العائلة بضرورة مغادرة البلدة. خبر اختطاف « حزب الله » أسيرين إسرائيليين كان هز للتو إسرائيل ولبنان معاً. والمعطيات الأولية كان تشير إلى رد فعل إسرائيلي عنيف. لم تول أم قاسم كلام الشاب اهتماماً يذكر. ولم تغادر العائلة بيتها في بنت جبيل.

في يوم واحد من أيام العدوان، خسرت الحاجة ابنين ومنزلاً، قالت آنذاك إنهما »فداء للسيد« (الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله). وبعد سبعة أشهر من الخسارة، دخل إلى قاموس أم قاسم كما غيرها من الجنوبيين أسئلة من نوع: هل كان ضرورياً أن يقوم الحزب بأسر الجنديين الإسرائيليين؟

حرب خارج القاموس

استجدت على العلاقة بين الجنوبيين و« حزب الله » أسئلة كثيرة في الآونة الأخيرة. لم تعد عبارات »فداء للسيد« تخرج تلقائياً من الأفواه كلما تطرق الحديث إلى خسائر الحرب. رواية حسن تصب في هذا الإطار. يقول إنه بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام 2000 كان الأهالي واثقين بأن إسرائيل لن تجرؤ على الدخول إلى المنطقة مجدداً، فـ »السيد وعدنا بأن لن تدمر بيوتنا ولن يقتل أبناؤنا«. ويذكّر بأن المدينة شهدت نهضة عمرانية هائلة بعد التحرير. استثمر المغتربون أموالهم في مؤسسات تجارية وبنوا بيوتاً وقصوراً، مراهنين على حياة ستكون طبيعية. يقف حسن اليوم على ركام منزله في بلدة عيترون، ويقول: »فكرة الحرب كنا أخرجناها من قاموسنا. ثم فجأة... وقعت«.

على مقربة من ركام منزل حسن، تنتشر خيم عدة. على إحداها كتبت جمعية »أطباء بلا حدود«، كلمة: مسجد، للتدليل على أن مسجداً كان يرتفع مكان الخيمة. في أكثر من بلدة حدودية أخرى، تنتشر خيم مماثلة تقطنها عائلات دمرت منازلها في الحرب. الأهالي قبضوا ما يسمونه تعويض »المأوى« من »حزب الله« (10 آلاف دولار أميركي بدل إيجار لمدة عام إضافة الى ثمن الأثاث) وما زالوا ينتظرون الحصول على التعويضات من الدولة عبر »مجلس الجنوب«.

التقصير الحكومي الأخير عزز مكانة الحزب في قلوب الجنوبيين، وأظهر الدولة عاجزة ومقصرة في حق فئة من أبنائها. هنا يتفاقم شعور الأهالي بالإهمال، وتنهال الشتائم على المسؤولين من »خانة الأكثرية الوهمية«، كما تقول أم حسين، كلما تناول الحديث التعويضات على المتضررين.

في بنت جبيل تتكثف صور الدمار. ما زال الركام جاثماً على ساحة المدينة المغطاة بالركام والبقايا المحترقة. رئيس اتحاد بلديات بنت جبيل علي بزي يقول إن سبب تأجيل رفع الركام من المدينة، هو »الاتفاق على بناء بنت جبيل بالحجارة نفسها التي كانت مبنية منها. المدينة أثرية ويجب أن نحافظ على طابعها«.

يشير بزي إلى أن »دولة قطر، ستتولى بناء البلدة بحجارة البيوت المدمرة نفسها، فلا تعطي الأموال للناس مباشرة«. ويقطع حديثه ليجيب على هاتفه الذي يعزف نغمة: نصرك هز الدني (أغنية تشيد بنصر الله)، ثم يضيف أن »مئات السكان قبضوا من القطريين«.

قبل أن ترتفع وتيرة صوته بالإجابة: »نحن لا نعرف دولة هنا. وقع العدوان وانتهى ولم نر أي واحد منهم هنا (الموالاة)، إلا (عضو كتلة الوفاء للمقاومة محمد) فنيش«، معدداً مزايا »حزب الله« الذي قدم »الإيواء وبدل الإيجار والمفروشات، ودفع أثمان السيارات التي احترقت«.

من مبنى البلدية يسهل مشاهدة المكان حيث كانت تقطن الحاجة أم حسين قبل الحرب. الحاجة تسكن وعائلتها في منزل أحد الأقارب المغتربين. وتتحدث عن أن »شبان المقاومة، أولادنا، كانوا يؤمّنون لنا الماء والطعام خلال الحرب«، مشيدة بـ »فضل المقاومة التي حررت الجنوب والسيد رفع رأسنا بين العرب«. وإن كان الحديث معها، يؤدي إلى إضافات تنم عن عتب شديد على الحزب: »اليوم لم نعد نراهم. يعني بعد الحرب نسونا وراحوا على بيروت. نسوا الجنوب وصاروا يبحثون عن وزارة«. ثم ينتهي الحديث بعبارة: »كنا قاعدين ومرتاحين. لو تركوا مسألة الأسرى للتفاوض، هل كانت الحرب لتقع؟«.

هذا ليس رأيها وحدها. في مكان آخر، يجلس الحاج بزي بلباسه العربي وكوفية تغطي رأسه داخل سيارة على الطريق العام، عارضاً بضاعة »أعطانا إياها التجار في بيروت بالدين حتى نؤمّن قوت يومنا«. خسر الحاج الذي أمضى أيام الحرب الـ33 في بنت جبيل مع عائلته، منزلاً ومحلين »ببضاعتهما« في الحرب، وقبض »الإيواء«، لكنه لم يقبض أي فلس آخر. وهو اليوم يحمل على الموالاة والمعارضة على حد سواء. ويقول: »بعد الحرب لم يعد أحد منا سالماً. شفنا الموت وما عاد فينا نعيش اكثر بالمعاناة«. ويؤكد أن التعويضات التي يوزعها الحزب على المتضررين غير متساوية، فـ »من كان على معرفة بأحد المسؤولين في حزب الله سيحصل على ثروة، أما الباقون فتعويضاتهم لا تعادل نصف خسائرهم، ولا صدى للاعتراضات«.

المسؤول الإعلامي في »حزب الله« حسين رحال ينفي هذا الأمر، ويقول إن »المراجعات أدت في أحيان كثيرة إلى إثبات أحقية المتضررين بمبالغ تفوق ما قدر لهم في المرة الأولى. واللجان يمكن أن تخطئ، لكن كنا دائماً نصحح الخطأ«. ويحمّل رحال الدولة مسؤولية التأخير والإهمال.

في جوار الحاج بزي، تكثر بسطات يبيع أصحابها الثياب والحلوى، ويقف علي الذي يبدو يائساً. يمضي علي نهاره تائهاً على الطرق، بعدما خسر محلاً لمعدات الصوت، ولم يعوّض عليه أحد. »الدولة لا تعرف أن هناك بلدة اسمها بنت جبيل عانت أكثر من غيرها خلال الحرب«، يقول.

ويضيف معبّراً عن حنقه على الموالاة والمعارضة: »لم يزرنا أحد منهم، ولا نثق بهم. بعض نواب المعارضة زارونا ثم اختفوا. لا أحد منهم يلتفت إلى مطالبنا. المعارضة والموالاة أسوأ من بعضهما«.

قبض علي تعويضاً من »حزب الله« 400 دولار »هدية عن خسارة المحل«، ولا يعرف من سيعيد بناء المتاجر المهدمة، إلا انه يعرف أن »حتى الحزب صار له هموم أخرى غير الجنوب. صار مشغولاً في بيروت«.

يقود الكلام مع علي إلى تفاصيل تصب في خانة العتب على »حزب الله«. غير أن سؤالاً واحداً عما إذا يمكن ترجمة موقفه انقلاباً على الحزب لمصلحة »قوى 14 آذار«، يقلب الحوار رأساً على عقب. وتعود عبارة »فداء للسيد« لتؤكد قاعدة »أنا وأخي على ابن عمي. وأنا وابن عمي على الغريب«.

Saturday, March 10, 2007

مئة يوم على الاعتصام في قلب بيروت

مئة يوم على الاعتصام في قلب بيروت : ضجيج ورواد أقل ... بلا جمهور

منال أبو عبس
Al-Hayat (795 كلمة)
تاريخ النشر 10 مارس 2007



قبل مئة يوم بالتحديد دق إسفين الخيمة الأولى في وسط بيروت. في الأول من كانون الأول (ديسمبر) الماضي، أعلنت المعارضة اللبنانية أن أهدافها إسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة. حشدت ما اعتبرته محطاتها التلفزيونية « أكبر حشد » في تاريخ لبنان. ودعت مناصريها إلى الاعتصام والمبيت في ساحات الوسط التجاري حتى تحقيق غايات قيل إنها « ستستغرق أياما ».

لم يتحقق هدف المعارضة حتى الآن، ولم يصدر بالتالي أمر إخلاء الساحات. الخيم التي ضجت بالرواد في بداية التحرك، ما زالت تغطي الساحات، وإن خلت من روادها. وتركت الساحة بعد مئة يوم الى عناصر انضباط »حزب الله« المنظمين، وزادت إلى رتابة الصورة، سمات الملل التي تغطي وجوه من بقوا فيها.

من جسر فؤاد شهاب يبدو المخيم شبه مقفر. تنتصب الحبال التي ترفع أغطية منشورة في الشمس بين الخيم. ووسط الطرق رفعت شوادر يجلس تحتها عدد من مدخني النارجيلة.

في موقف رياض الصلح تظهر الخيمة الكبيرة التي تتسع لـ500 معتصم، وفي داخلها يلعب أحمد مع أربعة شبان آخرين كرة القدم، من دون جمهور.

أحمد لا يتفق مع القائلين إن التحرك لم يحقق أهدافه. ويشرح ابن العشرين عاما، أن »نحن لم نسقط الحكومة، لكننا نمنع تحويل لبنان إلى جسر للمشروع الأميركي«. ويضيف أنه باق »ما دام (الأمين العام لحزب الله) السيد حسن نصر الله لم يأمرنا بمغادرة الساحة«.

في محيط الخيمة الكبيرة، يجلس رجل تحت الشادر وحيدا. يعرف الرجل أن المخيم فارغ، وينطلق في تحليل ذلك بالقول إن »حزب الله« يفسح المجال أمام مناصريه لممارسة أعمالهم، ويبدو مقتنعا بان »حزب الله« (قوى المعارضة) لن تتوانى عن ملئه حين الحاجة إلى ورقة اكثر ضغطا.

في مقابل الرجل، تنتصب لوحات خشب تحمل اسم مشروع »لاندمارك« السياحي الذي توقف العمل به مع بدء الاعتصام. إلى جانب اللوحات، غيّر المنظمون ديكورات المسرح المخصص للمهرجانات الخطابية. زيّنوه بلوحات ملونة تكتب مجتمعة عبارة: »المعارضة الوطنية اللبنانية«. وتحيط بها صور »شهداء المعارضة اللبنانية«، ومن بينها الطالب الشاب محمد غازي الذي سقط في أحداث الجامعة العربية ورفعت في تشييعه صور الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وعلت خطابات حملت قادة المعارضة مسؤولية مقتله.

تقتصر الحركة هنا على عناصر الانضباط المزودين بأجهزة لاسلكية في غياب عناصر قوى الأمن الداخلي أو الجيش اللبناني. يتمركز العناصر على المداخل المؤدية إلى الوسط خلف دعائم إسمنت وشرائط نايلون صفر عليها عبارة: »يمنع التجاوز«، وتوقيع: »نصر من الله«. وستقتصر مهمتهم، إلى أن »يأتي أمر المغادرة من قادة المعارضة«، كما يقول أحدهم، على التدقيق بهويات السيارات المسموح بمرورها وهويات بعض المارة.

داخل المخيم، الصورة على حالها، وان زاد غياب المشاة إليها رتابة ووحشة. يغسل صاحب عربة لبيع المشروبات الساخنة الأكواب من خزان مثبت على الرصيف، ويقول إن »الحركة لم تعد كما السابق. يمكن أن يمضي النهار من دون أن نبيع إلا ثلاثة أو أربعة أكواب شاي إلى شباب الأمن«. يرى أن بيع النارجيلة بات مهنة اكثر ربحا، لكنه يؤكد أن »عدد الشبان الذين يمضون نهارهم في الساحة محدود، ومعظمهم يدخن النارجيلة لتقطيع الوقت، بانتظار المساء«.

خلال ساعات الظهر، تتوقف معظم الأكشاك عن البيع. حتى الكشك المخصص لبيع اسطوانات »مهرجانات النصر الإلهي« يسدل ستاره النايلون، بانتظار حلول الخامسة عصرا: موعد بث أغاني المعارضة مترافقة مع خطابات لشخصيات غير معروفة تعتلي المسرح في موقف رياض الصلح.

المهرجانات ذاتها، تتولى المحطات الموالية للمعارضة بثها خلال المساء. يسأل المراسلون المشاركين عن رأيهم في الاعتصام، فيظهر هؤلاء شراسة في الدفاع عن حقوق المعارضة. لا تتطرق المحطات إلى الحديث عن انخفاض نسبة المشاركين في شكل كبير يوما بعد يوم، ولا إلى سبب اختيار خطباء من الصفوف الخلفية لتجييش الجماهير.

لم يحمل اليوم المئة أي مفاجأة إلى المعتصمين في وسط بيروت. فالاتصالات ما زالت في لبنان ودول أخرى بعيدا من عيونهم. لكن الخبر الأهم يبقى أن المعارضة تواصل اعتصامها بنجاح لا تراه إلا المحطات الموالية لها.

Friday, March 2, 2007

العلاقة بين جنود « يونيفيل » والجنوبيين

15 ألف جامعي تقدموا للعمل مع القوات الدولية ... والإعلام لا ينقل الصورة كاملة 
العلاقة بين جنود « يونيفيل » والجنوبيين على محك اضطراب علاقتهم مع « حزب الله »

منال أبو عبس
Al-Hayat (3,398 كلمة)
تاريخ النشر 02 مارس 2007



« ما بدنا يونيفيل »، يقول المراهق في بلدة مارون الرأس ما ان يرى دفتر تدوين الملاحظات. يشق طريقه على الدراجة النارية بصعوبة فوق تلال الركام في البلدة المهدمة. تتمتم الحاجة أم حسين وهو يبتعد: »البلد لم تخرب إلا عندما صار للأولاد مواقف سياسية«.

بلدة مارون الراس حيث يقف المراهق والحاجة تلّة باتت مدججة بالعسكريين. انها التلّة التي شهدت أشرس معارك خلال حرب تموز (يوليو) الماضية. دخلها الإسرائيليون وخرجوا بموجب القرار 1701، الذي أوقف الأعمال العدائية وزرع نحو 12 ألف جندي من القوات الدولية »يونيفيل« و15 ألف عسكري لبناني جنوب نهر الليطاني في جنوب لبنان. لكن، ماذا يعني وجود 27 ألف جندي في منطقة كان لـ »حزب الله« النفوذ العسكري التام فيها بعد انسحاب الإسرائيليين منها عام 2000، وبعد غياب للجيش اللبناني عنها دام ثلاثة عقود متتالية؟

< في الأسبوع الماضي طلب رئيس بلدية »مارون الراس« من فريق المستشفى الميداني الفرنسي العامل في إطار قوات »يونيفيل« مغادرة البلدة. وقبل ذلك رشق أولاد في دبين دورية إسبانية بالحجارة. الحادثتان وأخرى غيرها تسلط الضوء على طبيعة العلاقة الملتبسة بين بعض سكان الجنوب والقوات الدولية.

لدى عدد من هؤلاء تحفظات كثيرة على قوات »يونيفيل«. ينتقد صاحب الفرن القريب من دار البلدية في تبنين ما يرى انه نظرة دونية من الفرنسيين للجنوبيين. ويصب تلميحه في إطار ما يقال عن أن ذهنية الجنوبي لا ترى الفرنسي في غير صورة المنتدب. الذهنية نفسها قد تكون سبب تأكيد رئيس اتحاد بلديات بنت جبيل علي بزي لـ »الفرنسيين« أن »نصف أبناء البلدة من حملة الشهادات العالية ويرفضون أن ينظر إليهم أحد باستعلاء«.

الاستعلاء، ان وجد حقاً، ليس السبب الوحيد لتمييز الفرنسيين عن سواهم من القوات الدولية. يتناقل بزي ومن قبله صاحب الفرن وآخرون أخباراً سمعوها عن أن »الفرنسيين يفتشون شبكات الصرف الصحي في بنت جبيل بحثاً عن السلاح من دون إذن ومواكبة من الجيش اللبناني، ويفتشون حقولاً وأبنية مهجورة«. أخبار التفتيش والمداهمات ينفيها في شكل قاطع الكابتن الفرنسي ستيفان ايغا الناطق الإعلامي باسم الكتيبة الفرنسية في الطيري، ويؤكد أن القوة الفرنسية »لم تنفذ أي عملية تفتيش منذ مجيئها الى لبنان، وان ليس من مهمتنا وفق القرار 1701 أن نقوم بعمليات تفتيش منازل أو غيرها ولا حتى إقامة حواجز على الطرق«.

المواقف الدولية والإقليمية والمحلية، عنصر آخر يصب الزيت على نار العلاقة الحساسة بين بعض الجنوبيين والدوليين. طرد الفرنسيين من مارون الراس غير بعيد زمنياً من تصريح (علي لاريجاني) أن فرنسا معرضة لخسارة دورها في لبنان لمصلحة الولايات المتحدة الأميركية. لكن الحديث في بنت جبيل وعيناتا ومارون الراس وعيترون ودبين وغيرها يكثر عن اتهام النائب وليد جنبلاط »حزب الله« بتحريض الأهالي ضد القوات الدولية، و »تنبؤ« رئيس الهيئة التنفيذية في »القوات اللبنانية« سمير جعجع باحتمال تعرض الجنود الدوليين إلى هجمات إرهابية.

المسؤول الإعلامي في »حزب الله« حسين رحال يحمل الأطراف السياسيين في لبنان مسؤولية تضخيم الحوادث العابرة مع قوات »يونيفيل«، معتبراً أن »في العادة تحصل إشكالات بين أفراد العائلة الواحدة«. من وجهة نظر رحال فان »المشكلة تكمن في ان بعض الأطراف يريد أن يسلط الضوء على أن ثمة مشاكل تواجه القوات الدولية في الجنوب، وهذا أمر مشبوه لأن المفروض إذا كنا نعمل للمصلحة اللبنانية أن نُبرز الخرق الإسرائيلي، وان نجعل القوات الدولية تعمل لمواجهة الخرق الإسرائيلي وليس تحويل مسار عملها وإشغالها بصراع داخلي في لبنان ولا أن نضعها مع طرف في مواجهة آخر«.

وقوف القوات الدولية مع طرف ضد آخر، هو ما سنسمعه كثيراً في مناطق مختلفة من جنوب الليطاني (باستثناء المناطق ذات الغالبية المسيحية). تحمّل أوساط جنوبية جنود القوة الفرنسية وزر مواقف بلدهم من سلاح »حزب الله« والمقاومة والحكومة اللبنانية. تكثر هنا عبارات مثل: »الحكومة الفرنسية تقف مع حكومة فؤاد السنيورة ضد الحزب«، و »فرنسا تطالب بنزع سلاح حزب الله«... على ألسنة الناس العاديين، لتصل في حالات اكثر اغراقاً في التحليل إلى الدور الفرنسي في القرار 1559 المطالب بنزع سلاح »حزب »الله«، وهو ما يستتبع من مناصري »حزب الله« »استماتة« في الدفاع عن حزبهم في وجه »مؤامرة دولية تحاك ضده«.

في جنوب الليطاني أيضاً، يسلط اتهام وزير الخارجية الفرنسي »حزب الله« بأنه منظمة إرهابية الأنظار في اتجاه الجنود الفرنسيين.

»أهل بنت جبيل كلهم مع حزب الله«، يقول بزي، مضيفاً إلى أسباب العداء الجنوبي للفرنسيين سبباً سياسياً آخر. بزي يرى أن التصريحات السياسية تلعب دوراً سلبياً في تعبئة الناس الذين »سألوا عن سبب بقاء القوات الفرنسية في الجنوب ما دام فيه إرهابيون«. ويرفع بزي التهمة عن »حزب الله« بتأليب الناس على القوات الدولية، ويؤكد أن »البلدية تنسّق مع »حزب الله« في موضوع »يونيفيل« ولا نتلقى أوامر من أحد«.

من جهته، لا يبدو رحّال مرتاحاً إلى المواقف التي يتبنّاها »الأهالي« رداً على التصريحات التي لا تعجبهم. ويرفض في شكل قاطع النظرية القائلة إن »حزب الله« يؤلبهم ضد القوات الدولية التي احتلت ساحة صراعه الوحيدة، مؤكداً ان ليس للحزب مصلحة في توتير العلاقة مع قوات »يونيفيل«، ما دامت تعمل ضمن القرار 1701 الذي وافق عليه مجلس الوزراء اللبناني.

»لا يشكل وجود القوات الدولية خطراً على حزب الله«، يقول رحال، موضحاً ان في إطار الأزمة التي أثارها الحديث عن نية فرنسا إرسال طائرات استطلاع إلى لبنان، »أعطينا رأياً علنياً ومباشراً للفرنسيين. وهم تفهموا الموضوع ونفوا نيتهم القيام بذلك. لا داعي للخوف لأن القنوات مفتوحة مع الفرنسيين«.

زيادة التنسيق بين قوات »يونيفيل« والجيش اللبناني وبينها وبين الناس على الأرض عنصر آخر يسهّل سير الأمور من وجهة نظر رحال الذي يعلن استعداد »حزب الله« تقديم كل »ما يطلب منا لتكون العلاقة طيبة وطبيعية، ونحن نبذل الجهود مع البلديات وغيرها لتكون العلاقة أكثر دفئاً مع القوات الدولية«.

دوريات »يونيفيل« تذكر بالاسرائيليين

يغيب عند الناس والمسؤولين هنا أن القوات الدولية تقوم بمهماتها بأمر من الأمم المتحدة، وهي غير معنية بالتصريحات الصادرة عن الدول التي تحمل جنسياتها.

وكما التحفظات على الفرنسيين، فإن أوساطاً جنوبية تتذمر من الإسبانيين والإيطاليين، وإن بدرجة أقل. ويحكي عدد من الجنوبيين أن بين صفوف الأخيرين عناصر لمصلحة الاستخبارات الاميركية والاسرائيلية.

الغضب على الإسبانيين الذي أفرز حادثة دبين يدرجه البعض في خانة مساهمتهم في القرار 1559، وتالياً معاقبة الاسبانيين على الدخول إلى بلدات في شمال الليطاني.

»تجاوزوا منطقتهم وراحوا يلتقطون الصور وهم يؤدون حركات عسكرية قتالية«، كما يقول رحال، نافياً أن تكون حادثة رمي الحجارة على الدورية الإسبانية - التي ينكر حصولها أصلاً - جاءت رداً على هذا التجاوز. ويؤكد الدور الإيجابي للحزب في التقريب بين الناس والقوات الدولية: »تدخلنا مع الناس ليفهموا الموضوع قبل اتخاذ أي خطوة. ربما كان العناصر مخطئين وظنوا انهم في المنطقة المخصصة لهم. بعد الحادثة قدموا اعتذاراً على التجاوز وقالوا ان بعض ضباطهم وجنودهم يخطئون«.

والخوف من أسلحة جنود »يونيفيل« ودورياتهم الليلية وأضرار الآليات الثقيلة على الطرق المعبدة، عنصر آخر أسهم في زيادة التوتر بين الطرفين. »في البداية كان الإيطاليون يسيرون دوريات ليلية في صور، مصوبين أسلحتهم الرشاشة في اتجاه الناس. هذا ترك شعوراً بالعداء في نفوس أهل المدينة«، كما يقول علي وهو صاحب أحد محلات الألبسة في ساحة أبو ديب في صور.

وفي مارون الراس، تبدي الحَاجّة انزعاجاً مماثلاً من الدوريات. الحَاجّة لا تعرف جنسية جنود الدورية، وتسميهم »الأمم المتحدة«. وتتحدث عن خوف أحفادها كلما مرت آلية ثقيلة في قلب البلدة، و »يصرخ الاطفال اجوا الاسرايليين يا تاتا«. تتململ الحاجة من السرعة التي تمر بها سياراتهم العسكرية و »ينط قلبي على الأولاد الذين يلعبون في الساحات«.

الإزعاج الذي تسببه الدوريات للأهالي مشكلة يعلم الكابتن ايغا بوجودها، لكنه يبرر ذلك بأنه »يفترض علينا القيام بدوريات وهذا يسبب إزعاجاً للأهالي، ونحن نتحاشى الإزعاج الى الحد الأقصى. لم تعد دبابات لوكلير تقوم بدوريات ليلاً، وصارت تسلك طرقاً جانبية كي نتحاشى الإزعاج«. ويقول: »لا نريد إزعاج أحد. في النهاية نحن ليس لدينا أعداء هنا ونحن جنود سلام«.

تطبيع... دولي

خلال مرور دورية اسبانية بجانب محل لتنجيد المفروشات، سأل جندي اسباني المنجد ان يصنع له وسادتين. صنعهما الأخير وقدمهما للاسباني من دون مقابل، سائلاً الجندي أن يشرب معه الشاي. شرب الأخير، وصارت قصة الاسباني والمنجد مثالاً تتناقله الألسن كلما تطرق الحديث إلى العلاقة مع »الدوليين«.

تتحدث ريهام عن آلية تطبيع بدأت تظهر مفاعيلها في المناطق القريبة من أماكن إقامة الجنود الدوليين. »صار الناس يستخدمون كلمات أجنبية بحسب جنسية القوات«، تقول المعلمة في إحدى مدارس مرجعيون. وتوضح أن جزءاً كبيراً من المشكلات التي يتناولها الإعلام لا تعدو كونها شائعات يختلقها أولاد.

على زجاج أحد المتاجر في ساحة جديدة مرجعيون عُلقت لافتة: »توجد لدينا طلبات التوظيف في الأمم المتحدة«. ويقول مصدر في مكتب الأمم المتحدة في لبنان أن »طلبات التوظيف المقدمة بلغت 15 ألفاً، معظمها من حملة الشهادات العالية«. يتحدث المصدر عن مساهمة هذه القوات في تأمين فرص العمل لعدد كبير من الشباب اللبناني، وعن النشاطات الاجتماعية والثقافية والرياضية وعمليات نزع الألغام التي يقومون بها في المناطق الجنوبية.

لا يعطي المصدر أهمية إلى طرد الفريق الطبي الفرنسي من مارون الراس، ويقول انه ناجم عن خطأ من الفريق الفرنسي الذي لم ينسق مع رئيس البلدية.

الكابتن ايغا يؤكد الأمر نفسه. ويقول إن »الفرقة الطبية توقفت لأسبوع واحد وستعود بعد التنسيق مع رئيس البلدية«. ويوضح ان الفريق كان يزور البلدة مرة كل أسبوع، ويعالج نحو 30 مريضاً.

شتروغر... ومسؤولية الإعلام

يحمّل الناطق الرسمي باسم القوات الدولية ميلوش شتروغر كل ما ورد عن توتر في العلاقة بين الجنود الدوليين وأهل الجنوب إلى الإعلام. يقول إن الحوادث عابرة وفردية، ولا يجب النظر إليها بمعزل عن النشاط العام للقوات الدولية.

يبرر حادثة دبين بالقول ان »في ذاك اليوم نفذت يونيفيل 300 دورية في المنطقة. كان قائد القطاع اجتمع مع نواب من »حزب الله« وحركة »أمل« في ابل السقي وعلما الشعب ووادي الجوز. ودُشِّنَت مشاريع عدة نفذتها يونيفيل. كانت مستشفياتنا الميدانية تعالج المرضى ومهندسونا كانوا يعملون في القرى المدمرة. عناصرنا ينزعون الألغام بمعاونة المحليين. الفرقة النيبالية كانت تدرب الأهالي في مقاهي الانترنت في حولا والفرقة الإسبانية تتابع برنامجها لتعليم اللغات والفرقة الإيطالية تقيم ندوات للتحذير من مخاطر الألغام. كل هذا حصل في يوم واحد مع حادث رشق الحجارة، لكن الإعلام ركز على الحادث ونسي كل ما كنا نقوم به في المنطقة«.

من مكتبه في بئر حسن يصف شتروغر العلاقة مع الأهالي في الجنوب بالجيدة جداً. يقول إن سبب وجودنا في المنطقة أن نضمن الاستقرار ونساعد الجيش اللبناني ونحمي المدنيين، وهذا ما ينص عليه القرار 1701«.

لا يلمح شتروغر الى عداء يخفيه أي فريق لبناني للقوات الدولية. ويضع الحوادث المتفرقة في إطار التغيير العسكري الجذري في الساحة الجنوبية: »كانت مهمتنا أن نبقى على حال وقف الأعمال العدائية وتسهيل انسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق التي يحتلها في جنوب لبنان. وطالما أن الإسرائيليين يحتلون أجزاء من لبنان، كان علينا أن نستعمل جرافاتنا وآلياتنا الثقيلة وكل ما أمكننا لنضمن عدم حصول أي حوادث يمكن أن تُشعل الحرب مجدداً. وبعد ان انسحبت إسرائيل باستثناء الجزء المحتل من الغجر، تركز اهتمامنا على تطوير العلاقات مع المحليين، لأنه كان هناك أسئلة: هل الجنود الدوليون موجودون هنا لحمايتنا أم لحماية غيرنا؟... أعتقد بأننا على الطريق الصحيح وفي المستقبل سيتفهم الأهالي ما الذي تقوم به »يونيفيل« ولماذا«.

يذكّر شتروغر بأن الموافقة على القرار الدولي تمت من جانب الحكومة اللبنانية بما فيها وزراء »حزب الله« وحركة »أمل«، ويؤكد أنه »حتى الآن لم يبدل أي من الأطراف رأيه في الموضوع«.

في المقلب الآخر من العلاقة الملتبسة بين قوات »يونيفيل« و »الجنوبيين«، يقع العامل الاقتصادي. يتحدث شتروغر عن أن »الكثير من الموظفين المدنيين والضباط العسكريين في »يونيفيل« استأجروا وعائلاتهم منازل لهم في صور والقرى المحيطة بها«. وأكد أحد العاملين في صور أن إيجار المنزل الواحد ارتفع إلى 1200 دولار أميركي (أربعة أضعاف إيجاره السابق).

يتحدث شتروغر عن الأثر الاقتصادي للقوات الدولية. ويقول: »عندما كان عدد جنود »يونيفيل« ألفي عنصر بعد التحرير، كانت موازنتهم 49 مليون دولار. في ذلك الوقت انفق نحو 45 مليوناً من الموازنة في لبنان. موازنة القوات الحالية من المتوقع أن تبلغ ستة أضعاف الموازنة السابقة«، ويسأل: »كم سيبقى من هذه الموازنة في لبنان لا يمكننا ان نخمن، لكن المؤكد ان الرقم سيكون ضخماً«.

تجارة ناشطة في محيط المواقع الدولية : القطريون ممتازون والفرنسيون محترمون

< على عكس مواقع الجيش اللبناني، تنتشر في محيط مواقع القوات الدولية في الجنوب تجارة من نوع جديد. يركن باعة جوالون سياراتهم، عارضين ملابس وتذكارات ومشروبات ونراجيل وبضائع خفيفة. ويختلطون بالجنود الدوليين في شكل منتظم.

يبدو أبو احمد صاحب إحدى السيارات مهتماً بالحديث عن علاقته بالجنود الدوليين. »القطريون ممتازون، والفرنسيون محترمون جداً ولبقون. يا عمي انا أحكي ما أراه، لم أر من الفرنسيين أي عمل عاطل... الجماعة محترمين«، يقول.

بيـــن الساعــة الثانية والثالثة بعد الظهر، يَنال الجنود ساعة راحة. يخرجون في اتجاه السيارات الجوالـــة لشراء البضائع. ويــــروي أبو أحمد أن »الجنود اخطأوا في البداية. نزلوا بآلياتهم الثقيلة في مناطق لا يعرفها حتى ابناء المنطقة، وكان الناس خارجين للتو من حرب مدمرة وخائفين من اسرائيل. وفي نظر الأهالي البسطاء ، فإن الجنود جاؤوا ليفرضوا سلطتهم على المنطقة. هكذا توترت العلاقة في البداية. هم خافوا منا ونحن خفنا منهم، لكن الآن مشي الحال«.

عاملة الصندوق في »مطعم التحرير« في بنت جبيل أيضاً لم تسمع بمشكلات مع القوات الدولية. يضيق المطعم بالجنود الآتين لتناول الوجبات خلال النهار، و »وقت الغداء لا يبقى كرسي فارغ«، تقول. وتضيف الموظفة المحجبة أنها لم تتحدث مع أي منهم، »الجنود يطلبون الطعام من النادل ويحاسب عنهم المترجم اللبناني«.

الجنود القطريون يبدون أكثر ارتياحاً في المطعم. يمازحون النادل ويصف أحدهم علاقة القوة القطرية مع الجنوبيين بأنها »الأفضل«، مضيفاً: »دائماً نسأل أهالي البلدة عما اذا كنا نسبب لهم ازعاجاً، غير انهم يعاملوننا كأبناء البلد«.

في موقع آخر، في تبنين، يجلس جنود من القوات الاسبانية والفرنسية والايطالية امام المساحة المخصصة لإقامة سوق الجمعة. يتناول الجنود المناقيش و »يشربون الشاي كأنهم اولاد البلد«، يقول أبو علي صاحب أحد المحال التجارية، مضيفاً: »نتحدث معهم ويتحدثون معنا. نحن اعتدنا القوات الدولية. يقيمون معنا منذ عام 1978. اخوتي يعملون معهم، وكثيرات من بنات الجنوب تزوجن من عناصر »يونيفيل«.

على طول الطريق المؤدية الى قرى جنوب الليطاني، تنتشر محال تحمل على لافتاتها عبارة »الأمم المتحدة« بالانكليزية. تعرض المحال اعتدة وألبسة عسكرية وتذكارات وأعلام »حزب الله« وحركة »أمل« و »التيار الوطني الحر«. يقول علي صاحب المحل على مدخل مدينة بنت جبيل هي »الجنود الدوليين يشترون الكثير من بضاعته. أعلام لبنان و »حزب الله« هي الأكثر مبيعاً. يأخذونها تذكارات الى بلدهم أو يقدمونها هدايا«. لا يبدو علي مستاء من وجود القوات الدولية في بلدته، لكن احد زبائنه يعترض على »رحابة صدره«، سائلاً عن المغزى من وجود هذا العدد الكبير من العسكريين في الجنوب، فيما اسرائيل ما زالت تخرق السيادة اللبنانية يومياً، من دون ان تجد من يردعها.

يأخذ الزبون على القوات الدولية عدم التصدي للاسرائيليين. ويقول »انهم جاءوا اصلاً ليحموا اسرائيل، اذاً لا لزوم لنا بهم«.

في جديدة مرجعيون يترجل عناصر من الكتيبة الفرنسية امام سوبرماركت كبير. الفرنسيون يومئون الى الناس الجالسين أمام منازلهم، ويوزعون كثيراً من الابتسامات والتحيات بلغتهم. في هذه المنطقة يبدون أكثر ارتياحاً مما هم عليه في بنت جبيل. تحدث سيدة ستينية الجندي الفرنسي بلغته، فيبادلها الحديث مبتسماً. في الطريق المؤدية إلى دبين كان صاحب محطة محروقات يتبادل الضحكات مع اسبانيين، فيما يتولى عاملو المحطة غسل الآلية الثقيلة.

تهديدات « القاعدة » تطاول الفرنسيين و « حزب الله »

< قبل أسابيع عدة، أعطى الرجل الثاني في تنظيم »القاعدة« أيمن الظواهري رأيه في القرار 1701. رأي القاعدة هذا، تُرجم تهديداً جعل القوات الدولية و »حزب الله« (لموافقته على القرار الدولي) في سلة واحدة. رفعت القوات الدولية درجة التأهب والحيطة في صفوفها. ورمى »حزب الله« كرة التهديدات في ملعب السلطة.

الناطق الإعلامي باسم القوات الدولية ميلوش شتروغر يقول إن »يونيفيل تنظر بجدية الى هذه التهديدات«. يتحدث عن »خطوات اتخذت لضمان أمن فرقنا والعاملين لدينا«، وفي الوقت نفسه يرفض ان »تؤثر هذه التهديدات سلباً في عملنا وأنشطتنا التي ستستمر كالمعتاد«.

في المقابل، لم يعط إعلام »حزب الله« تهديدات »القاعدة« أهمية كبيرة. يبرر رحال دور الحزب في القرار، قائلاً: »نحن وضعنا تحفظات على القرار الدولي، صارت تحفظات الدولة اللبنانية. وقبلنا ان تأتي قوات دولية كجزء من وقف العدوان على شعبنا«. ويلقي على الدولة اللبنانية مسؤولية مواجهة التهديدات. ويضيف: »في الجنوب نحن لسنا سلطة بل جزء من الشعب. على الدولة اللبنانية أن تتحمل مسؤولياتها. هي السلطة الفعلية وعندها القدرة على أخذ القرار وتقويم المعطيات، عندها أجهزتها الخاصة و15 ألف عسكري لبناني في الجنوب وتتعاون مع القوات الدولية«. ويحسم الجدل بأن »نشاط المقاومة في الجنوب مبرمج للدفاع عن لبنان وعن رجال المقاومة وأهلها. وليس من مهمته أن يواجه غير التهديدات الإسرائيلية«.

Thursday, February 15, 2007

« فهود ط. ج »

« فهود ط. ج » انتشروا بكثافة ... وفاء للشهيد

منال أبو عبس
Al-Hayat (941 كلمة)
تاريخ النشر 15 فبراير 2007

يسير الشبان تحت راية بيضاء مكتوب عليها حرفا: ط. ج. TJ بالإنكليزية. يتصل الحرفان بصورة فهد اسود في وضعية قتالية كأنه يخوض معركة شرسة، وفوق صورته كتب: فهود.

لقب »فهود ط.ج«. الذي اتخذه شبان الطريق الجديدة لأنفسهم، ليس قديما. ظهر مباشرة بعد حادثة الجامعة العربية على شاشات الهواتف النقالة لأبناء المنطقة وعلى الكنزات البيض كجزء من حال الاصطفاف الحزبي الشديد في البلد. وأمس، انتشر بكثرة خلال تظاهرة الوفاء للرئيس رفيق الحريري في ذكرى استشهاده.

يحيط بالشبان القادمين من منطقــة الطريق الجديدة، نسوة معــظـــمهن محجبـــات وعدد كبيــر مــن الأطفـــال والأولاد. هنـا يغلب اللون الأزرق وشــارات »تيـار المستقبل«، ولا تظهر وسط الحشد الا صور الرئيس الشهيد رفيق الحريري ونجله سعد... ولاحقاً تنضم اليها صور رئيس الحكومة فؤاد السنيورة.

أهالي الطريق الجديدة، كما قصقص والمصيطبة وعين المريسة ومارالياس، والوافدون إليها من المناطق اللبنانية الأخرى، سلكوا ما بقي متوافراً من الطرق الداخلية للمدينة سيراً على الأقدام للانضمام إلى تظاهرة وسط بيروت. في شارع »ستاركو« نزولاً نحو جريدة »النهار« تتلاصق الأجساد منذ التاسعة صباحاً، وتضيق الشوارع بالأهالي الذين سيستمرون بالتوافد حتى انتهاء الاعتصام. يجهد عناصر الجيش المنتشرون بكثافة في المكان لإبقاء المتظاهرين بعيداً من فتحة الحاجز المخصصة لعبور السياسيين نحو المنصة، وخلفهم ثبتت لافتات عملاقة تحمل صور الرئيس الشهيد على خلفية ملونة بألوان علم لبنان وأقوال من خطابات الحريري.

في الطريق المؤدية إلى الساحة، يصير الحاجز اثنين. الأول يشكل ممراً للسياسيين بحماية عناصر الجيش اللبناني ومكافحة الشغب، والآخر على تماس مع المتظاهرين ويحميه عناصر »انضباط« تابعين لقوى 14 آذار. يتسلح الانضباطيون بعصي خشبية، ويقول حكيم، الموالي لـ »الحزب التقدمي الاشتراكي«، انهم »أمن للعسكر« ومدنيون.

ولا يخفي حكيم العصا التي يحملها في يده، فـ »على القليلة ما معنا سلاح مثل غيرنا«، والحجة: »إذا هجموا علينا كما فعلوا في الطريق الجديدة، ماذا سنفعل؟«. يرتدي العناصر سترات نايلون رمادية ويعتمرن قبعات حمراً، عليها: »والله اشتقنالك«.

أعلام »المرابطون« تظهر بكثـــرة في الساحة كمــــا فــي شــوارع كثيــرة مـــن بيروت، ومعهــا صور قائد »جيش لبنان العربي« أحمد الخطيب. إلى جانبها يرفرف علم عملاق لـ »التقدمي«.

في قلب الساحة على مقـــــربة من الضريح والتمثــال، تضج العــروق بدماء الشباب الغاضب. وينال زعماء المعارضة نصيبهم من الشتائم، قبل أن يتدخل »المصلحون« لتهدئة الشباب، فتعود الأجساد إلى القفز على صرخات: »سعد سعد« و»الله وحريــري وطريـق الجديدة« و»يا سعد (يا سنيورة) لا تعبس بدك عسكر رح نلبس« ويحرصون على تكرار: »لا خيبر ولا رعد. نحنا رجالك يا شيخ سعد«، وتليها: »يا سعد يا عينينا، سلحنا والباقي علينا«. وترتفع هتافات النسوة إلى الزعماء وهم يعبرون الممر خلف الحاجز، وصرخات: »الله يحميكم«.

يوم أمس الدافئ، كان نقطة لمصلحة النسوة اللواتي اصطحبن أطفالهن إلى التظاهرة. تقرص الأم فخذ صغيرها الجالس على أحد أرصفة الساحة ما أن يهم بـ »الحكي بالسياسة«. وتقول إنها جاءت مع أقاربها من إقليم الخروب وأصدقاء لها من كسروان »لأننا نريد أن نعيش ببلدنا بسلام، ونطالب بالمحكمة الدولية لمعرفة من اغتال الوطن قبل سنتين«.

غير بعيد من وفد الإقليم، يوجه رجل من دوحة عرمون نداء إلى رئيس المجلس النيابي نبيه بري »بأن يفتح دورة استثنائية للمجلس ليصادق على المحكمة من اجل روح الرئيس الشهيد«، ويقول إن المصادقة هي »أولاً لمصلحته ومصلحة الأمين العام لـ »حزب الله) (السيد حسن نصر الله)، في حال تعرضهما لأي حادث مستقبلاً، فهم أصلاً رجالات لبنان«.

كلمــا اقتربنــا من السياج المكهرب الذي رفعه الأمنيون للفصل بين اعتصام 14 آذار ومخيم المعارضة، تختلط الوفود. تتنوع لهجات المشاركين من جبل لبنان والبقاع والشمال. وتكثر عبارات مثل: »الله يرحم رفيق الحريري«، و»جئنا لنقرأ الفاتحة عن روح الرئيس الشهيد«، وتدمع عينا شابة تنتمي إلى »تيار المستقبل«، بينما تقول: »قدمنا لهم الكثير في حرب تموز، لكنهم لم يتركوا لنا فرصة إحياء ذكرى رئيسنا كما نشاء. لم يحترموا أي شي«.

على مقربة من تمثال الشهداء الذي اعتلاه شبان يرفعون أعلام قوى 14 آذار، يقف شاب فرنسي اسمه اوليفيه المقيم في فندق فينيسيا. يعمل مراسلاً حراً في لبنان منذ أيام عدة، ويستعين بحركات يديه ووجهه محاولاً إيصال أفكاره باللغة الإنكليزية.

يدق اوليفيه بيده على صدره، ويقول إن قلبه »يخفق بقوة عندما يرى هذا المشهد«. يبتسم بينما يروي كم كان فرحاً عندما »شاهد انتفاضة 14 آذار على التلفزيون«، ويحكي أنه »سعيد اليوم لأن شباب لبنان لم ينسوا رفيق الحريري«، وان لا شيء أحلى من »رؤية أعلام لبنان ترفرف فوق رؤوس شبابه«.

ويتأثر الفرنسي الأشقر كثيراً بالصورة الماثلة أمامه. ينظر إلى السياج المنتصب على بعد خطوات منه، ويهز رأسه بحسرة: »ماذا لو سقط جدار الفصل بين الأخوة الأعداء؟«.

Thursday, January 25, 2007

أهالي بيروت ينفضون الغبار عن مدينتهم

أهالي بيروت ينفضون الغبار الثقيل عن مدينتهم

منال أبو عبس
Al-Hayat (780 كلمة)
تاريخ النشر 25 يناير 2007



يجلس أبو أحمد أمام محله القريب من مسجد عبدالناصر في منطقة كورنيش المزرعة. إلى جانبه يجلس رجل آخر، في يده سبّحة، مردداً عبارات دينية. من الرصيف حيث يجلس الرجلان، يمكن مشاهدة بقايا الأضرار التي خلفها الاحتكاك بين أنصار المعارضة خلال إضرابهم أول من أمس، وبين شبان المنطقة.

على بعد خطوات من الرجلين تبدو الحياة شبه عادية. ينظم شرطي المرور السير على جانبي الطريق. وترتفع على الشارات الضوئية أعلام »تيار المستقبل«، وفي الساحة القريبة صور للراحلين الرئيس جمال عبدالناصر والمفتي حسن خالد.

النقطة حيث يقف شرطي السير بالضبط، شكلت أول من أمس، »خط تماس« بين الطريق الجديدة ذات الخصوصية السنية وشارع بربور المختلط طائفياً، مع وجود ملحوظ لأبناء الطائفة الشيعية.

يرفض أبو احمد الخوض في تفاصيل ما حدث قبل يوم، ويروي ما شاهده بأم العين، خلال وقوفه بجانب إشارة المرور.

يقول بلهجة بيروتية وبطريقة تشبه أسلوب الفنان الراحل شوشو بالكلام، تاركاً للمستمع أن يسمي الأشياء بأسمائها: »المنطقة تنتمي إلى طائفة معينة. استفاق أهلها على إحراق الدواليب، ووجدوا أبناء طائفة ثانية (من بربور) يقطعون الطرق المؤدية إلى منطقتهم. لم يتحمل شبان المنطقة من أبناء الطائفة الأولى الاستفزاز، فنزلوا إلى الشارع ليدافعوا عن منطقتهم. أزاحوا الإطارات المشتعلة، وعندها أطلق شبان الطائفة الثانية شتائم بحق الطائفة الأولى، فرد شبان الطائفة الأولى بالمثل«. ويلمح إلى أن »عناصر الجيش وقفوا يتفرجون على الشبان في البداية، إلى أن كبر المشكل وبدأ التراشق بالحجارة«. في تلك اللحظة يقول أبو أحمد انه غادر إلى منزله، وشاهد عن الشرفة »سيارات على جانبي الطريق تتحطم، جرحى واعتقالات من الفريقين، وتدخل الجيش في مرات كثيرة، لكن تواصلت الاشتباكات وظلت تتجدد حتى الليل«.

تقود تفرعات الكورنيش إلى الطريق الجديدة، حيث الحياة أمس، كانت تشبهها في أي يوم عادي. فتحت المحال والمدارس والجامعات أبوابها، وإن بدت حركة السير خفيفة إذا ما قورنت بأيام أخرى. ترتفع صور الرئيس الشهيد رفيق الحريري ونجله النائب سعد الحريري ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة، وتكثر لافتات وعبارات مثل: »سيبقى فؤاد السنيورة نجمة في سماء لبنان«. من الشرفات أيضاً، تتدلى أعلام لبنان، ويتوسط الطريق إطاران مثبتان على الأرض، وعلم »تيار المستقبل«.

على مداخل الطريق الجديدة وبربور في المقلب الآخر، حيث الحياة أيضاً عادية وصور زعماء من المعارضة والموالاة، يتكثف وجود عناصر الجيش اللبناني والآليات العسكرية تحسباً لاشتباكات محتملة.

يقع فندق »الديبلومات« في أحد تفرعات منطقة الروشة حيث وقع أحد اعنف الاشتباكات وسقط جرحى بإطلاق نار متبادل، على مقربة من تلفزيون »المستقبل«. يقول أحد الموظفين إن الفندق لم يقفل خلال الإضراب، لكنهم اضطروا إلى إسدال الستائر، ومراقبة »شبان من المنطقة يتصدون لشبان كانوا يقطعون الطريق«، من دون أن يعرف من الذي بدأ المشكل. لا يبدو الموظف معنياً بسرد تفاصيل كثيرة. ويقول إن »في الفندق غرفتين محجوزتين فقط«. آثار الإطارات المحترقة على الأرض، تقود إلى المبنى المدمر مقابل مطعم أميركي للوجبات السريعة، حيث كانت اشتباكات متنقلة. على ركام المبنى رميت سيارة أحرقت خلال الاحتجاجات أول من أمس.

من الروشة إلى وسط البلد، ما زالت آثار الدخان الأسود ورائحة الحريق تعبق في الأجواء. وكلما اقتربنا من الوسط ازداد لون الدخان العالق على الجدران والأرض اسوداداً وكثافة. وبقيت نوافذ منازل كثيرة مقفلة أمس.

في بشارة الخوري كما في البسطة والطيونة، الحياة شبه عادية. على جوانب الطرق ترتفع تلال من الردم والبقايا المحروقة كانت أزيلت عن وسط الطريق تمهيداً لرفعها إلى مكان آخر. على الجوانب أيضاً مستوعبات »سوكلين« المحروقة، وعمال الشركة بلباسهم الأخضر يكنسون الطرق.

في شوارع كثيرة من بيروت لم يترك الأهالي عبء التنظيف على عمال سوكلين وحدهم. مدوا خراطيم المياه من المنازل وغسلوا الطرق والحيطان.

أمس، غطى السائل الأسود شوارع العاصمة، وقال شاب يرش الماء أمام محله في الضناوي إن »يوماً واحد لن يكفي لنزيل دخان الأمس«.

Wednesday, January 24, 2007

اشتباكات متنقلة وأوصال مقطعة

اشتباكات متنقلة وأوصال مقطعة

منال أبو عبس
Al-Hayat (837 كلمة)
تاريخ النشر 24 يناير 2007



يجر الفتى الملثم إطاراً مطاطياً إلى وسط الطريق. يضرم فيه النار، فيشتعل الإطار المطلي بالبنزين بسرعة فائقة. يتبع الفتى ملثمون آخرون، فتنقطع الطريق وتحجب غمامة سوداء كثيفة سماء المكان. يعلو تصفيق حاد مترافقاً مع صيحات التمجيد بـ »انتصار« تحقق للتو.

الساعة الآن تجاوزت السادسة صباحاً. تخترق عبارة: »يا أشرف الناس: انتم مدعوون للتجمع أمام محطة الضناوي وحي اللجا ومارالياس والروشة...« جدران المنزل الواقع بين شارع خندق الغميق ووزارة المالية في بشارة الخوري. ومع انتهاء الدعوة تكون غمامة سوداء كثيفة غطت المكان.

يربط شارع المالية والشارع المقابل له منطقة بشارة الخوري الممتدة من الضاحية الجنوبية، بوسط بيروت حيث اعتصام المعارضة المفتوح. تقطع الإطارات المشتعلة كل الطرق المؤدية إلى الوسط، على مرأى من عناصر الجيش اللبناني المتمركزين قرب دباباتهم. ومع حلول التاسعة يكون الشارع ساحة خالية لشبان انصرفوا إلى أسطح البنايات المجاورة، ليرموا ما عليها من حجارة إلى الشارع، ويضرموا النار في حدائق البنايات المهجورة، قبل أن يدب بينهم الخلاف حول ما إذا سيضرموا النار في وزارة المالية أم يكتفوا بإشعال الإطارات أمامها.

يقود شارع المالية إلى تقاطع بشارة الخوري الذي صار يشبه تقاطع مار مخايل خلال حرب تموز. تشكل شحنات الردم المنقول من الضاحية سواتر ركامية خلف الإطارات المشتعلة، فتسد كل منافذ بشارة الخوري، كما ستسد الكثير من شوارع بيروت. على جوانب الطرق المتصلة في التقاطع، يتبادل شبان المعارضة الأحاديث عن قدرة الحكومة على الاحتمال. ويعصر أحدهم هاتفه النقال، بينما يحاول إقناع المتصل بضرورة إحضار المزيد من الإطارات لأن الذخيرة شارفت على النفاذ.

مناطق البسطة التحتا والفوقا والجسر الرابط بينهما، وصولاً إلى الضناوي وكركول الدروز ومارالياس تعيش حظر تجول مدني. لا اثر فيها إلا لعسكريين يراقبون ملثمين ومراهقين يسكبون البنزين على الإطارات قبل إحراقها. في المناطق المذكورة، كما في حي اللجا لا يمكن الفرار من شبان اغتنموا خلو الساحة، فنصبوا أنفسهم على حواجز سائلين عن هوية المتجول إذا كان من غير مضرمي النيران وحاملي العصي والجنازير، ويرفضون التعريف عن هويتهم »لأسباب أمنية«. في تلك المناطق تعلو وتيرة الأحاديث عن مشكلات »يفتعلها أنصار »المستقبل« و »الحزب التقدمي الاشتراكي«، وتقابل بمسيرات ينطلق بها حاملو العصي على الدراجات النارية إلى المناطق المذكورة.

تغيب في هذا الشارع شحنات الردم، وتحل محلها الحجارة الملونة والمقتلعة من الرصيف، والى جانبها، لافتة: »الطريق مقطوعة، للمراجعة: السلطة المستأثرة« وشبان يشربون النارجيلة. وهنا ايضا ترتفع هتافات: »بري. نجادي. بشار. وأبو هادي« و »يا الله ويا جبار، احمي لنا الدكتور بشار«.

شارع مار الياس الرئيسي يشكل مصباً لأحياء فرعية كثيرة، سدت منافذها بإطارات تولى الملثمون تبديلها مرة كل ساعتين، حتى ولو قام الأمنيون بإزالتها. في نهاية الشارع تقع ثكنة الحلو لقوى الأمن الداخلي، وأمامها الحاجز المشتعل الأول. قريباً من الحاجز كانت تعلق صورة للرئيس فؤاد السنيورة وتحتها عبارة: »الحبيب الغالي«، وقعت أمس، ضحية لـ »حرية تعبير« المتظاهرين.

يتصل شارع مار الياس بمنطقة كورنيش المزرعة التي شهدت توترات أمنية متكررة بين أبناء المنطقة وقاطعي الطرق. ولم تفلح التعزيزات الأمنية المشددة في فض الاشتباكات التي تكررت بعد نزول الشبان الموالين لـ »تيار المستقبل« إلى الشارع، طالبين من عناصر الجيش فتح الطريق بدل أن يقوموا بذلك بأنفسهم. في منطقة الكورنيش وقع عدد لا بأس به من الضحايا بفعل تراشق الحجارة بين الموالين والمعارضين.

برج أبي حيدر أيضاً شهد توترات كثيرة، تلت إحراق المعتصمين صورة عملاقة للرئيس الشهيد رفيق الحريري، وتعرضهم لصاحب أحد محلات السمانة بسبب تعليقه صورة مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني.

الطريق الجديدة شارع آخر له خصوصية فائقة، أصر أهله على أن يعيشوا أمس، يوماً من أيامهم العادية، مجاهرين بولائهم لرئيس تيار »المستقبل« النائب سعد الحريري وتمسكهم بحكومة الرئيس السنيورة. خصوصية منطقة »الطريق الجديدة« اقتضت تعزيزات أمنية مكثفة على مداخلها لمنع وصول المعتصمين الذين أدى تسرب بعضهم الى الداخل الى تحطيم عدد كبير من السيارات، بسبب تراشق الحجارة المتبادل.

على مقربة من وسط بيروت ترتفع السنة اللهب من الإطارات التي قطعت جسر فؤاد شهاب منذ الفجر. إلى جانب الإطارات المحترقة تشكل مستوعبات النفايات المحروقة والبقايا وأكوام الردم سواتر تقطع الجسر. على الضفة المقابلة يفترش أنصار المعارضة الأرض، ومن خلفهم تبث مكبرات الصوت: »إيدي وإيدك سوا لنحمي لبنان... سوا منخلي الوطن يصبح جنة عدن«، وتحيط بالجميع غمامة سوداء كثيفة تحجب الرؤية.