Sunday, December 31, 2006

مخاض عسير لـ 1701 أنهى الحرب

مخاض عسير لـ 1701 أنهى الحرب

منال أبو عبس
Al-Hayat (990 كلمة)
تاريخ النشر 31 ديسمبر 2006


عند الثامنة من صباح 14 آب (أغسطس) 2006 كان الكثير من معالم الضاحية الجنوبية لبيروت تغير. في تلك الساعة كان بند « وقف الأعمال العدائية » المذكور في القرار 1701 دخل حيز التنفيذ، ومعه صار في إمكان من أجبروا على الرحيل قبل 33 يوماً أي قبل الحرب بين إسرائيل و « حزب الله » أن يعودوا إلى منطقتهم المنكوبة حيث رائحة الحريق تختلط بالرائحة القاسية لبقايا الدمار والبقايا البشرية.

قبل يومين من 14 آب صدر القرار الدولي 1701 الذي تلقفه المواطنون كحبل نجاة. دعا إلى وقف تام للأعمال القتالية، مستنداً في صورة خاصة إلى وقف »حزب الله« كل الهجمات فوراً، ووقف إسرائيل الفوري كل العمليات العسكرية الهجومية. وطالب الحكومة اللبنانية وقوة الأمم المتحدة في لبنان، بنشر قواتهما معاً في كل أنحاء الجنوب، وطالب الحكومة الإسرائيلية بسحب كل قواتها من الجنوب في شكل موازٍ.

وأكد القرار الذي ولد بعد مخاض عسير وتبناه مجلس الأمن في 12 آب »أهمية بسط سيطرة حكومة لبنان على كل أراضيه وان تمارس كامل سيادتها، حتى لا تكون هناك أي أسلحة من دون موافقة حكومة لبنان ولا سلطة غير سلطتها«.

وإضافة إلى بنود أخرى تتحدث عن مساعدات إنسانية ومالية وعودة اللاجئين، دعا القرار الدولي »إسرائيل ولبنان إلى دعم وقف دائم لإطلاق النار، وحل طويل الأمد استناداً إلى: الاحترام التام للخط الأزرق من كلا الطرفين، واتخاذ ترتيبات أمنية لمنع استئناف الأعمال القتالية، بما في ذلك إنشاء منطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من أي أفراد مسلحين أو معدات أو أسلحة، بخلاف ما يخص حكومة لبنان وقوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان وفق ما أذنت به الفقرة 11 والمنشورة في هذه المنطقة، والتنفيذ الكامل للأحكام ذات الصلة من اتفاق الطائف والقرارين 1559 (2004) و1680 (2006) التي تطالب بنزع سلاح كل الجماعات المسلحة في لبنان، حتى لا تكون هناك أي أسلحة أو سلطة في لبنان عدا ما يخص الدولة اللبنانية، عملاً بقرار مجلس الوزراء اللبناني المؤرخ في 27 تموز (يوليو) 2006، ومنع وجود قوات أجنبية في لبنان من دون موافقة حكومته، ومنع مبيعات أو إمدادات الأسلحة والمعدات ذات الصلة إلى لبنان عدا ما تأذن به حكومته، وتزويد الأمم المتحدة الخرائط المتبقية للألغام الأرضية في لبنان، الموجودة في حوزة إسرائيل«.

وسمح القرار بـ »زيادة قوام قوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان إلى حد أقصى مقداره 15000 جندي، وأن تتولى مهمات: رصد وقف النار، مرافقة القوات المسلحة اللبنانية ودعمها (قرار الحكومة اللبنانية إرسال 15000 جندي لبناني إلى الجنوب) أثناء انتشارها في كل أرجاء الجنوب، بما في ذلك على طول الخط الأزرق، وأثناء سحب إسرائيل لقواتها المسلحة من لبنان (...) ومساعدة القوات المسلحة اللبنانية في اتخاذ خطوات ترمي إلى إنشاء المنطقة المشار إليها في الفقرة 8«.

كما أذن القرار لـ »قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان باتخاذ كل ما يلزم من إجراءات في مناطق نشر قواتها وكما ترتأي في حدود قدراتها لكفالة ألا تستخدم منطقة عملياتها للقيام بنشاطات معادية من أي نوع، ولمقاومة محاولات تجرى بوسائل القوة لمنعها من القيام بواجباتها بموجب ولاية مجلس الأمن، ولحماية موظفي الأمم المتحدة ومرافقها ومنشآتها ومعداتها، وكفالة أمن تنقل موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المجال الإنساني وحريتهم ولحماية المدنيين المعرضين لتهديد وشيك بالعنف البدني، من دون المس بمسؤولية حكومة لبنان«. وطالب الحكومة بتأمين الحدود اللبنانية »وغيرها من نقاط الدخول لمنع دخول الأسلحة أو ما يتصل بها من عتاد إلى لبنان من دون موافقتها«، وطلب إلى قوة الأمم المتحدة الموقتة »وفق ما أذنت به الفقرة 11 مساعدة حكومة لبنان بناء على طلبها«.

وقبل ولادة القرار 1701 عاش اللبنانيون يوميات القتل والدمار، تحت هواجس مشاريع قرارات لم تبصر النور. والأبرز بينها مشروعان أميركي وفرنسي، اعتبر وزير الخارجية (المستقيل) فوزي صلوخ أنهما لا يرقيان إلى مستوى الطموحات اللبنانية، خصوصاً أنهما يتفقان على عدم حصول وقف فوري للنار، بل على مراحل، ولا يبلوران أمر تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. وفند نقاط الاختلاف بين المشروعين، مشيراً الى ان الأميركيين يريدون أن يشمل القرار كل القضايا وأن يصدر وفقاً للفصل السابع، بينما يرى الفرنسيون صدور قرار وفقاً للفصل السادس على أن يصدر لاحقاً قرار وفق الفصل السابع، يقضي بإنشاء العقوبة الدولية التي ستكون مجازة من مجلس الأمن. وكرر مطالب لبنان المتمثلة بوقف فوري للنار وانسحاب اسرائيلي إلى خلف الخط الأزرق وتحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وعودة النازحين اللبنانيين إلى قراهم وتسليم خرائط الألغام .

لكن نقاط الاختلاف بين المشروعين سرعان ما اختفت، وأفرزت ما عُرف بمشروع القرار الأميركي - الفرنسي الذي رفضته الحكومة اللبنانية ورئيسها فؤاد السنيورة المصر آنذاك على أن يشمل أي قرار لإنهاء الحرب البنود السبعة التي طرحها في مؤتمر روما لدعم لبنان، وأهمها الانسحاب الفوري ووقف النار، كما أكد »حزب الله« أنه يرفض أي قرار لا يشمل البنود على رغم تحفظه عن بعضها.

وهكذا، استمرت المناورات إلى حين ولادة القرار 1701 الذي وضع حداً للحرب، من دون أن يحظى بتصفيق جماعي في لبنان. ففي حين أعلن الأمين العام لـ«حزب الله« السيد حسن نصر الله أن »القرار الدولي غير عادل وغير منصف، ولن نكون عائقاً أمام الحكومة« التي وصف سلوكها مشيراً الى أنها »تتصرف بمسؤولية وطنية«، ومشدداً على أن الأولوية هي لوقف العدوان واستعادة الأرض وعودة النازحين. ومع بدء تنفيذ القرار ووقف الحرب تواصل تدفق المساعدات العربية والدولية إلى لبنان بحرية أكبر مما كانت عليه خلال القصف الاسرائيلي بسبب تقطيع أوصال البلد وإقفال مرافقه، فضلاً عن استهداف الطائرات الإسرائيلية قوافل المساعدات في اكثر من منطقة.

Thursday, December 14, 2006

المعتصمون يستعدون للشتاء بخيمة لـ 5 آلاف شخص

يتشددون في مطالبهم أكثر من زعمائهم . المعتصمون يستعدون للشتاء بخيمة لـ 5 آلاف شخص

منال أبو عبس
Al-Hayat (1,282 كلمة)
تاريخ النشر 14 ديسمبر 2006


يخال الداخل إلى الخيمة الكبيرة بغرفتيها الواسعتين انه في صالة انتظار إحدى الشركات الكبرى. الخيمة تقع على أطراف موقف اللعازارية في وسط بيروت، ومنها تدار شؤون الخيم المشاركة في اعتصام المعارضة اللبنانية المفتوح لإسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة.

على إحدى كنبات الجلد الأسود الثلاث يجلس بلال (حزب الله) المسؤول عن التنظيم في المخيم، ليؤكد أن التحرك مستمر حتى تحقيق مطالب المعارضة كافة. خلفه تبدو خريطة كبيرة للمخيم بالرسوم والأرقام، وفي الزاوية تلفزيون وأجهزة هاتفية، يقول بلال إنها »سنترال يصل بين أطراف المخيم«، وعلى الأرض أسلاك كهربائية كثيرة.

لا يبدو بلال مهتماً بالحديث عن تفاصيل المبادرات التي تطرح بين حين وآخر لحل الأزمة، فـ »نحن ملتزمون قرار (الأمين العام لحزب الله) السيد حسن نصر الله، وقرارات القيادة واضحة: الثلث زائد واحد«، ويضيف أن »الاعتصام مستمر حتى تنفيذ مطالبنا، وليس فقط حتى الاتفاق على حلول«.

يعرف بلال أن تحقيق المطالب قد يطول إلى ما بعد هطول الأمطار المتوقعة، لذلك يشير إلى »أن كل شيء مؤمن للخيم سلفاً: دفايات وفرشات اسفنج وشوادر سميكة تمنع تسرب المياه ودعائم حديد تثبت الخيم بالأرض في وجه العواصف«.

من الغرفة الثانية للخيمة الرئيسية، يخرج الشبان دعائم خشب يوزعونها على من سيتولون تثبيتها لاحقاً على الأرض، حتى تجري مياه الأمطار من تحتها. الدعائم ستغطى بموكيت اخضر كما في الخيمة الرئيسية.

»وقت الشتاء سنكون جهزنا مناقل الفحم والكستناء للسهرات«، يقول رفيق بلال، معلناً »أننا اعتدنا على الحياة هنا، ولا نريد الرحيل«، بينما يدخن النارجيلة. غير بعيد من الخيمة الرئيسية تدب الحياة في الوسط »المعتصم« وكأن الأزمة ستدوم أبداً. تنتشر أكشاك وعربات لبيع المأكولات والمشروبات على الأرصفة والزوايا، وقد أضيفت إليها خيم لبيع كاسيتات أغاني لـ »فرقة الولاية« وشارات أحزاب المعارضة وصور زعمائها.

في أول المخيم لجهة بشارة الخوري تقع خيمة »الحزب الشيوعي اللبناني«. ترفع عليها صور الأسير سمير القنطار ولينين ويصل صوت قرع الطبلة والأغاني من الخيم المجاورة.

يقول احمد ابن بلدة مشغرة في البقاع الغربي انه لم يفارق الخيمة منذ اليوم الأول. يبدو الشاب العشريني الذي يلف نفسه بشارات الحزب وصور غيفارا مهتماً بالمبادرات الساعية إلى حل الأزمة، ولا يغضبه حتى الحل الذي يؤدي إلى بقاء السنيورة في منصبه، »هو عميل. لكن يمكننا أن نسامحه، فكل إنسان يخطئ«.

كلام احمد يبدو مرفوضاً في شكل قاطع بالنسبة إلى رفيقه هاني ناصيف الذي يعتبر أن ما يطرح من مبادرات هو »مجرد صفقات«. ويقول: »نحن عندنا مبادئ واطروحات. نطالب بانتخابات مبكرة وإسقاط الحكومة، لتحل محلها حكومة وطنية فنحن لا نجلس مع عملاء«.

إلغاء الطائفية السياسية يبدو الهم الأول للشاب الملتحي، لكنه يعرف أن مطلبه ليس واحداً من مطالب المعارضة، فيوضح: »لا يمكن للأحزاب اليسارية أن تبقى على الحياد. من هنا سنقود أول حرب لنصل إلى حكومة الوحدة الوطنية، ومن ثم نخوض حربنا لإلغاء المحاصصة«. لكن اذا تم القبول بإحدى المبادرات، يؤكد هاني انه سيعود ليعارض المعارضة.

تتراصف الخيم الى جانب بعضها بعضاً، فتكاد تتلاصق في تلك الساحة. عصام ومحمد وعلاء وغادة يجلسون بحلقة دائرية ويقرعون على الطبلة. خلفهم ترتفع صور معروف ومصطفى وأسامه سعد، قادة »تنظيم الشعبي الناصري«، وعلى خيمتهم صورة مشتركة للرئيسين المصري الراحل جمال عبد الناصر والفنزويلي هوغو تشافيز والسيد نصر الله، وأسفله كتب على التوالي: أوقد شعلة التحرير، رمز الممانعة العالمية، والوعد الذي صدق.

يقول الشبان انهم »مبسوطون أصلاً بالبقاء هنا«، على رغم أن جميعهم تركوا المدارس والتحقوا بسوق العمل، قبل ان يتحولوا بعد التحاقهم بالاعتصام إلى عاطلين من العمل.

يوضح أحمد: »هنا لسنا في حاجة الى نقود. كل شيء مؤمن هنا، وفي الليل نقيم حلقة نار ونسهر حولها«.

لا يتقبل الشبان أي حل لا يؤمن لزعيمهم حصة في الحكومة، ويقول محمد أن »إذا اتفقوا وفلينا وبقي السنيورة أحس كأنني لم أحقق شيئاً«، وتقوده تفاصيل أخرى إلى القول: »عندها سنعيد التفكير جدياً بعضويتنا في التنظيم«.

بين خيمة الناصريين وخيم العونيين ترتفع أعلام أحزاب كثيرة: حركة الشعب وحزب الاتحاد والسوري القومي الاجتماعي والمردة وغيرها.

يقول انطوان فرنجية (مردة) إن »قادتنا طلبوا الحد الأدنى من المطالب ولا يمكن أن نخرج من دون تحقيقها كاملة«. ويضيف: »لن نتهاون بالإنجازات التي قمنا بها من حرب تموز حتى اليوم. نحن نمثل اكثر من نصف الشعب اللبناني ولن يصعب علينا أن نبقى في الخيمة حتى لو سنة«. يتحدث انطوان عن »شبان كثر طردوا من أعمالهم لأن اسمهم علي أو لأن رؤساءهم في العمل رأوا صورهم في هذه التحركات«، ويؤكد ان »لا قرار مركزياً بتعطيل الأعمال حتى الآن، من كان لديه عمل او دراسة فليذهب إليه ويعود مساء الى الاعتصام«.

في المقلب الآخر من الساحة اختار أنصار »التيار الوطني الحر« زاويتهم المستقلة. تغلب مظاهر الاحتفال على البقعة المسورة بسياج خشب لتبدو أشبه بحديقة. وتنتشر بين الخيم أشجار الميلاد المزينة باللون البرتقالي. وترتفع لافتات: »ليس من تاريخنا لا عمالة ولا عمولة« و »ابتاعوا وسائل الإعلام لكنهم عجزوا عن شراء مشاهديها وقرائها«

خارج إحدى الخيم يجلس الياس، وأمامه طاولة بلاستيك وكراس ونارجيلة وركوة قهوة. يبادر الرجل الأربعيني وقد ارتدى شارات التيار البرتقالية إلى تقديم القهوة، ويؤكد انه باقٍ حتى »إسقاط الحكومة وخلاص لبنان«.

يقول الياس انه عاطل من العمل منذ الحرب، ولا شيء مختلفاً بالنسبة إليه، سواء كان في المنزل أم هنا.

في ساحة رياض الصلح تتواصل الحركة لليوم الثالث عشر على التوالي. على الساحة أضيفت صور للرئيس السنيورة وهو يقبل وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس، ولافتة ضخمة تقول: »لا دموع بعد اليوم«.

في الساحة ايضاً، استحدث المنظمون مسرحاً تبث منه برامج تلفزيونية لقناتي »المنار« والـ »ان بي ان« مباشرة، كما يجري العمل على تركيب خيمة تضم خمسة آلاف معتصم.

في الساحتين لا يبدو المعتصمون منزعجين من البقاء. تقول هناء انها زارت وسط بيروت للمرة الأولى منذ 13 يوماً، وأنها أحبت المكان كثيراً. تقول أيضاً انه »سيكون جميلاً لو بقي التحرك قائماً حتى عيد الميلاد«، وتشير بيدها الى شجرة مزينة بكرات برتقالية.

Sunday, December 3, 2006

خيم جديدة و « خدمات عامة » لإقامة قد تطول

وفود تغادر وأخرى تأتي والحشد يبلغ ذروته مساء 
 اليوم الثاني لاعتصام المعارضة في وسط بيروت : خيم جديدة و « خدمات عامة » لإقامة قد تطول

منال أبو عبس
Al-Hayat (1,032 كلمة)
تاريخ النشر 03 ديسمبر 2006



دخل اعتصام قوى المعارضة اللبنانية المفتوح في وسط بيروت لإسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة يومه الثاني أمس من دون ان يلوح في الأفق ما يشي بحلول قريبة. وفرغت المقاهي والمحال التجارية من روادها فيما ارتفعت الأصوات في الشوارع ومواقف السيارات بالهتافات المتقطعة على »دويّ« قرع الطبول. وطوال النهار كانت وفود تأتي الى المنطقة وأخرى تغادر في اتجاه الضاحية الجنوبية »الخزان« البشري الأكبر للاعتصام. وبلغ الحشد ذروته مساء مع المهرجان الخطابي الذي تحدث فيه رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي علي قانصو.

فمنذ مساء أول من أمس، اكتسبت المنطقة الممتدة من اسفل جسر فؤاد شهاب حتى جامع محمد الأمين، طابعاً مختلفاً. زرعت الساحات الخضر المنتشرة على جوانب الطرق نزولاً وصعوداً بالخيم التي وزعها المنظمون على مناصريهم. وحتى مساء أمس، كانت أسافين خيم جديدة تدق كل حين. حتى حديقة الصيفي الصغيرة المزينة بالعشب الأخضر والإنارة الملونة لم تسلم من المناسبة، وآوت عدداً لا يستهان به من الخيم والمعتصمين.

وعلى رغم مطالبة المنظمين مناصريهم بالتزام الشعارات الموحدة وعلم لبنان، إلا أن هوية قاطني الخيم كانت جلية: غلب اللون البرتقالي وشعار »التيار الوطني الحر« على خيم العونيين الذين قطنوا الساحة القريبة من كنيسة الأرمن والصيفي. وارتفعت صور العماد ميشال عون على السيارات المركونة إلى جانب الرصيف، فيما بثت مكبرات الصوت خطاب عون الأخير، وقد اجتمع أنصاره، يلفون حول رقابهم شارات »التيار«، يستمعون إليه.

قضى بشير سلامة ورالف سلوان ليلتهما أول من أمس هنا. ويقول الشابان انهما سيبقيان هنا إلى أن يستقيل السنيورة، لأنه: »ندرس ونأخذ شهادات ولا نجد عملاً«.

كلام الشابين هذا يبدو منطقياً، لكنه ليس من ضمن مطالب المعارضة السياسية. يستدرك بشير الأمر، فيفسر: »إذا حصلنا على قانون انتخاب عادل يمكن أن تحل كل مشاكلنا«، ويضيف رالف: »الجنرال صادق وليس من هواة السلطة، هو يريد شراكة مع كل الباقين. وإذا نجحت مطالب المعارضة ممكن نصير نلاقي شغل«. ثم يعلن الاثنان انهما سيذهبان من الساحة إلى الجامعة ويعودا، »تماماً كما فعلنا في 14 آذار«. وخلف الشابين تظهر خيمة كتب عليها: »حركة الشعب«.

في الساحة الواقعة وسط الطريق ذي الاتجاهين تطغى خيم »حزب الله« وحركة »أمل« و »المردة« وأنصار طلال ارسلان الذين الصقوا صوره على إشارات المرور. على الخيم أيضاً تكتب شعارات مثل: »حب إلى الأبد« ومقتطفات من خطابات الأمين العام لـ »حزب الله« السيد حسن نصر الله ورئيس المجلس النيابي نبيه بري ويرسم سيف الإمام علي وتلصق صور ارسلان وفرنجية وعون. وتعبق الأجواء برائحة المعسل المنبعثة من الأراكيل المنتشرة في كل مكان.

في هذه الخيم يوجد »الطبل والدربكة« ويصل صدى قرعهما إلى المباني المجاورة، وعلى وقعهما يتولى منظمون توزيع وجبات الغداء على المعتصمين الذين انصرف عدد منهم لتأدية الصلاة في الساحة.

على الرصيف المقابل يكدس باعة المياه بضاعتهم فوق بعضها بعضاً. بائع الفول والترمس، واكسبرس القهوة والشاي عناصر مستجدة على المنطقة. كذلك بائعو الكعك، وبائعة البسكويت التي افترشت الأرض، وذلك الصبي يلوح بيده فيرسم بالمنقل وفيه الفحم المشتعل دائرة في الهواء.

موقف السيارات في الجانب الآخر من الشارع مقابل بناية اللعازارية كان يعج بالسيارات، قبل أن تركن فيه الخيم. هناك لم نجد المسؤول عن الموقف ليخبرنا أين ذهب العاملون فيه وكيف جرى التنسيق مع القائمين عليه. وبعيداً منهم تبدو غرف بلاستيكية وضعها المنظمون لتستخدم كحمامات.

يطل الموقف من إحدى جهاته على جامع محمد الأمين الذي كان يحاول ظهر أمس، مجموعة من الصبية تسلق جداره، للوصول إلى النافذة. على الأرض أمامهم كانت مجموعة أخرى تطلق الشتائم المغناة لقوى 14 آذار من دون أن تفضل أحداً. إلا أن عناصر الانضباط كانوا دوماً بالمرصاد.

في ساحة رياض الصلح تقف سيارات الدفاع المدني وعناصره. عمال »سوكلين« يعملون على مدار الساعة هنا لرفع النفايات عن الأرض. وتصدح الأغاني المستوحاة من المناسبة في الأرجاء كل الوقت. تلي خطاب بري المسجل أغنية حماسية تثير حماسة الحاجة المتشحة بالسواد في موقف السيارات في ساحة رياض الصلح، فتقف وتلوح بيديها وكتفيها بحركات راقصة.

الزحمة الشعبية الفائقة، طابع مستجد على ساحة رياض الصلح أيضاً. لا شيء فيها ومن ساحة الشهداء عاد يشبه نفسه. هنا الأعلام الحزبية تلوح كل الوقت. وعلم لبنان رفع على تمثال رياض الصلح الذي يتسلقه الأولاد، بينما تتجه الأنظار كل حين ناحية السرايا الحكومية، حيث يحاول البعض اجتياز الشريط الشائك الذي وضعه الأمنيون لمنع المتظاهرين من الوصول الى السرايا.

أسفل التمثال يجلس علي وحسين اللذان انهيا للتو دوامهما المدرسي وجاءا للمشاركة. »نتظاهر لنسقط الحكومة، ويتحسن الوضع المعيشي«، يقول علي، مؤكداً نيته وصديقه البقاء في الساحة الى حين تحقيق المطالب. يعرف الصبيان انهما قد يخسران سنتهما الدراسية، لكن حسين يوضح أن »مش مهم. المهم ننقذ البلد«!

عبد الله فقيه أيضاً ترك بيته في النبطية أول من أمس. يعمل الرجل الخمسيني في شركة صناعة المعادن، وهو بات ليلته الأولى مع المتظاهرين. يؤكد فقيه انه مستمر بالاعتصام حتى »تغيير الوضع السيئ الحالي إلى احسن: تحسين المعيشة والمدارس والمستشفيات وتحقيق التعددية«.

في هذه البقعة حيث غلبة للمراهقين والشبان لا تسلم الفتيات من التحرش الشفوي. ووقاحة بعض الشبان تفلت كثيراً هنا من رقابة عناصر الانضباط وخصوصاً في الأمسيات.

Saturday, December 2, 2006

موجة بشرية من الضاحية والهتافات تخرق « الضوابط »

موجة بشرية من الضاحية والهتافات تخرق « الضوابط »

منال أبو عبس
Al-Hayat (874 كلمة)
تاريخ النشر 02 ديسمبر 2006


مبكراً بدأ نهار المعارضين المتظاهرين لإسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة أمس. منذ ما قبل الحادية عشرة صباحاً كانت الطريق المؤدية إلى ساحة الشهداء وسط بيروت، تشهد إقبالاً ملحوظاً، سيصير كثيفاً ما أن تتجاوز عقارب الساعة الثانية عشرة ظهراً.

مبكراً أيضاً، بدأ باعة الأعلام نهارهم. احتلوا بأعلام »حزب الله« وحركة »أمل« و »التيار الوطني الحر« وأعلام لبنان جوانب الطرق المؤدية إلى الساحة. لكن المشترين سيكونون ممن صادر عناصر الانضباط أعلامهم الحزبية، واستبدلوها لهم بأعلام لبنان مباشرة من »البيك آب« المتمركز على تقاطع بشارة الخوري.

من وسط بيروت صعوداً، تقود الطريق »المحمية« بعناصر الجيش اللبناني وآلياتهم إلى الضاحية الجنوبية. الطريق نفسها تربط بيروت بالبقاع والجبل. على هذه الطريق تحتشد الحافلات والسيارات منذ الصباح، ويصعب إحصاء عددها. حافلات النقل المشترك بدورها تحتشد على هذه الطريق. وعلى معظمها رفعت صور الأمين العام لـ »حزب الله« السيد حسن نصر الله، وبضع صور لطلال ارسلان والوزير السابق سليمان فرنجية والجنرال ميشال عون.

الحافلات بمعظمها أتت من البقاع، بحسب ما تدل اللافتات الملصقة على الزجاج الأمامي: تمنين التحتا، الكرك، القرعون، رياق، يحمر، شعث، بعلبك، وأسماء بلدات كثيرة أخرى. على اللافتات أيضاً، كتبت عبارات مثل: »القطاع الثالث: حيدر. شعبة: رياق«، للتعريف بوجهة قدوم المشاركين.

من الحافلات تنطلق هتافات كثيرة. معظم الهتافات موجهة ضد الرئيس فؤاد السنيورة ورئيس الهيئة التنفيذية في »القوات اللبنانية« سمير جعجع ووزير الداخلية بالوكالة (سابقاً) أحمد فتفت. وعلى رغم تشديد الداعين على ضرورة الالتزام بورقة الضوابط التي وزعوها على المارة والسيارات والتي تشدد على التظاهر السلمي والحضاري. بدا بعض الهاتفين أبعد ما يكون من الآداب العامة، وأطلقوا هتافات قاسية في حق السنيورة وجعجع وفتفت.

على هذه الطريق المؤدية إلى الضاحية إذاً، لا يمكن إحصاء أعداد الحافلات المتجهة إلى ساحة التظاهر. السائرون إلى الساحة مشياً أيضاً، يصعب إحصاء عددهم. لكن، الدفعة الأولى من المتظاهرين ستظهر في وقت مبكر متوقفة في المنطقة الممتدة من البربير في انتظار رص صفوفها. لم تستغرق عملية الرص وقتاً طويلاً، وبعدها تحولت الدفعة إلى جمع كبير.

»ما بدن يعطونا الثلث. يعطونا أفا (قفا) ضهورن«، تقول إحدى اللافتات المرفوعة. وتحتها تصدح أصوات النسوة والشابات المحجبات بهتاف: »يا سنيورة نزال. هيدي الكرسي بدا رجال«. في المقلب الآخر، مجموعة من الشبان يصرخون ساخرين: »بدنا حكومة نظيفة وبدنا نزرع حشيشة«.

في محيط مستديرة الطيونة، تشبه الصورة صورة ساحة شتورا في البقاع. الحافلات والسيارات تكاد تدوس بعضها بعضاً. وسط هذه الزحمة يتمركز بائع الشارات الملونة بالأصفر (حزب الله) والأخضر (أمل) والبرتقالي (تيار وطني حر) وصور نصر الله، وتشهد خيمته إقبالاً شديداً. حواجز الجيش تتكثف أيضاً، في هذه المنطقة. ويتمترس العناصر على مداخل الطرق المؤدية إلى المناطق المسيحية.

من الطيونة إلى كنيسة مار مخايل، تشهد الطريق التي كانت خط تماس بين المناطق المسيحية والإسلامية خلال الحرب الأهلية، زحمة حافلات ومارة. في الأحياء الممتدة يمين السائر في اتجاه الضاحية (الشياح) تجول مكبرات الصوت وتدعو الناس إلى المشاركة للمطالبة بشراكة في الوطن. بينما تبدو المناطق على يسار السائر خالية إلا من الأمنيين، الذين لم يسلموا بدورهم من شتائم المتظاهرين، فقوبلوا بهتافات من نوع: »اثنين قهوة وواحد شاي. فتفت أكبر قبضاي« و »شاي يا وطن«. ومع اقتراب عقارب الساعة من الواحدة ظهراً، تكون الطرق اختنقت بالمتظاهرين. ويستحيل تقدم السيارات والحافلات إلى الأمام. إلا أن سائق سيارة الـ »بيجو« بزجاج أسود ومن دون نمرة، وجد في الرصيف ضالته، فتسلقه بسيارته، وتبعته بقية السيارات والفانات، ما جعل مهمة المتظاهرين سيراً أكثر صعوبة.

في تقاطع المشرفية تمتزج المواكب الآتية من البقاع مع تلك الآتية من الضاحية. يتولى عناصر الانضباط تنظيم السير. وتنطلق هتافات: »الله. نصر الله. الضاحية كلها«، و »يا نصر الله لا تهتم عندك شيعة بتشرب دم«، وفي أماكن أخرى: »عندك شعب بيشرب دم« و »بدنا نقولها عالمكشوف، قوات ما بدنا نشوف«.

»شيبني السنيورة والله«، يكتب أحد المتظاهرين على ورقة ألصقها على رأسه المغطى بشعر اصطناعي أبيض اللون. »لا أخاف الموت لكن تقتلني دمعة السنيورة«، و »كما النصر التغيير آت آت«، كتب على لافتات أخرى.

في طريق العودة من الضاحية الى ساحة رياض الصلح، رفع عدد من أعلام لبنان على شرفات المنازل. الخطوة تدل على ان أصحاب المنازل من أنصار قوى 14 آذار. الإعلام المثبتة على الشرفات كانت كفيلة بإثارة حفيظة عدد من الشبان المتظاهرين، فوجهوا الشتائم الى رافعيها، وطالبوهم بأن »طلوا عالبرندات«، هاتفين: »هالعقدة بدنا نحلا. وبيروت بدنا نحتلا«.

Friday, November 24, 2006

مشاركون يسألون عن القتلة

مشاركون يسألون عن القتلة ... والهتافات « لم ترحم » المعارضين

منال أبو عبس
Al-Hayat (1,177 كلمة)
تاريخ النشر 24 نوفمبر 2006


لا يشبه العرض في ساحة الشهداء أمس، عروض الاستقلال السابقة. أمس، استعار المدنيون من العسكريين ساحتهم، »فعزلوهم« في أطرافها. وجالت الطوافات العسكرية في سماء الساحة كما في السنوات السابقة، لكن هذه المرة لالتقاط الصور للمشاركين في تشييع الوزير بيار الجميل.

قبل العاشرة من صباح أمس، لم تكن الساحة امتلأت بعد. تعبر مجموعات متفرقة من الشبان والشابات شارع بشارة الخوري المؤدي إلى الساحة رافعين أعلاماً هي بمعظمها لـ »تيار المستقبل« و »الحزب التقدمي الاشتراكي«، ومرددين هتافات لا يكاد يصل صداها إلى البنايات المقابلة. إلا أن الصورة سرعان ما تنقلب، وتملأ الحشود المكان، وينهمك العسكريون المنتشرون في المنطقة الفاصلة بين الأحياء »المسيحية« و »الإسلامية«، في تأدية المهمة التي أوكلت إليهم منذ انتشارهم، أي منذ يوم اغتيال الوزير بيار الجميل. ويشكل العسكريون وآلياتهم حواجز تمنع رافعي الأعلام من الدخول إلى المناطق الداخلية، الشيعية بمعظمها، منعا لحصول استفزازت ومشاكل... لا تلبث أن تقع في وقت لاحق من النهار.

قرابة الحادية عشرة، المجموعات تملأ الطريق نزولاً إلى الساحة. الهتافات تشبه كثيراً ما اعتدنا عليه في السنتين الماضيتين، إلا أن الخلاف الحاد بين المعارضة والسلطة أفرز شعارات أكثر تطرفاً ضد الأمين العام لـ »حزب الله« السيد حسن نصر الله ومن بعده النائب ميشال عون فرئيس الجمهورية اميل لحود والقادة السوريون.

»لبيك يا سعد الدين«، يقول الهتاف الأكثر ترداداً على ألسن المجموعة الآتية من طريق الجديدة. يترافق الهتاف مع قبضة اليد مضمومة ومرفوعة عالياً، فيشبه ذلك الذي يقول: »لبيك يا نصر الله« في احتفالات »حزب الله«. »عددنا كبير جداً«، يقول أحمد. وما تبقى من كلامه يدل على أن مجيئه ومن معه كان »تلبية لدعوة الشيخ سعد (الحريري)، ورسالة إلى المطالبين برحيل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة«.

أهالي الضنية كثر أيضاً، لكنهم جاؤوا على دفعات. يقول منسق »تيار المستقبل« في المنطقة نظيم الحايك ان المشاركة في تشييع الوزير الشهيد، »لم تخرج عن إطار المشاركات الطبيعية في المناسبات الوطنية، والتي تؤكد وقوف الضنية في صلب حركة 14آذار، في سبيل تحقيق الحرية والسيادة والاستقلال على أكمل وجه«.

بين المشاركين من الضنية صبيّة تحمل طفلين يتقاتلان للحصول على العلم الوحيد. وتقول إنها لم تترك طفليها عند أحد الأقارب، لأن »الكل نزلوا عالتظاهرة«. لكن أيضاً، لأن »على ولديّ أن يشاركا، لنقول للقتلة أن يكفوا عن القتل، كي نعيش بأمان«.

ومع تدفق المشاركين، تصبح مهمة العسكريين الموزعين تحت جسر فؤاد شهاب اكثر صعوبة. يفتشون حقائب الشابات ويراقبون دخول الشبان، ومن خلفهم تبدو ساحة الحرية شبه ممتلئة.

»لا سلاح إلا السلاح الشرعي«، تقول واحدة من اللافتات الكثيرة المصورة على خلفية حمراء، وموقعة بـ: »احب الحياة«. اللافتة الثانية تسخر من النائب عون، سائلة: »أنت عون، ولا عونيك«، وأخرى عليها صورته وسؤال: »من شق الصف«، والرابعة عليها صورة لحود مقلوباً رأسه إلى أسفل، وعبارة: »شيلوه« (أخرجوه)، وأخرى: »1701 الآن«، وأخرى أيضاً، عليها صورة الرئيس السوري بشار الأسد وبالإنكليزية عبارة »أبعد حربك الأهلية«.

كثرة من اللافتات كانت تغمز من قناة النقاط الخلافية مع المعارضة: »وحدها المحكمة الدولية تحمينا«، و«إجلاء الحقيقة هو ملك كل الطوائف ومن دونه لا يبنى لبنان الطائف«، و«السنيورة رئيس حكومة لبنان«.

في الساحة تختلف الهتافات باختلاف انتماءات الهاتفين. في المنطقة الأكثر قرباً من الجسر، تتراوح الهتافات بين »الله معك يا فتفت«، و«سنيورة باقي باقي« و«يا سعد ما تعبس، بدك عسكر رح نلبس«، مع طغيان لأعلام »المستقبل«.

وفي الداخل، يذوب »المستقبليون« مع الحلفاء الذين اعتادوا وجودهم. ولا يبدو الآتون من أماكن بعيدة بأغراب عن المكان. »بدنا نخلص«، يقول الحاج يحيى الذي جاء وعائلته من بلدة عرسال البقاعية. الحاج لم يستقل الحافلات التي أمنها »تيار المستقبل« لنقل المشاركين، ويؤكد أن »نص عرسال جاءت منذ الصباح الباكر، لتشارك في تشييع الشهيد«. ومن كويخات حلبا في عكار »نزلت 60 حافلة للمشاركة في التشييع«، بحسب محمد مصطفى طحبوش الذي يوضح أن »بدنا نعطي دمنا لسعد ونخلص«.

من البقاع الغربي جاءت حافلات كثيرة. تقول سناء إنها ستأتي الى الساحة ألف مرة، »بس المهم كلمتنا تمشي«. وتضيف ابنتها: »نحن فدا سعد وبدنا نعرف من الذي يقتل الناس، ولماذا كل القتلى من فريقنا. ولماذا يقفون هذه الوقفة ضد الرئيس السنيورة«.

في المنطقة الأكثر قرباً من ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري، تتلون الأعلام بوجود »الاشتراكي« و«القوات اللبنانية« و«حزب الكتائب« و«الوطنيين الأحرار«، وهتافات: »أبو تيمور«، و »حسون حسون حسونة« و »صورايخك هرونا« و »كل ما نفقعهم صاروخ بالغارات بيهرونا«، و«أصفر أخضر ليموني، مش رح تسقط الحكومة«. وتقول لافتات: »فاجئونا بسكوتكم«، و«المحكمة آتية لا محالة«، وتكثر صور الرئيس فؤاد السنيورة، وعلى واحدة منها: »دموع الرئيس فؤاد السنيورة أقوى من صواريخكم«.

ويقول ثائر باز الذي جاء مع »كل أهل الجبل منذ الصباح«، إن »البلد لا يحكم بالتهديد والقوة«. ويضيف أن »نحن في حاجة إلى وفاق الرجال وليس وفاق العملاء للمحاور الإيرانية والسورية«، بينما يرد صديقه عصمت ناصر الدين مشاركته الى انها »من اجل المحكمة«، يعود فيستدرك أن »المحكمة آتية لا محالة وبلا جميلة حدا«. ويرد ناصر الدين، قائلاً إن »ليس الجبل وحده جاء اليوم تلبية لدعوة وليد بيك (جنبلاط). بل كل الدروز جاؤوا، من عدا واحد (طلال ارسلان)«.

ومع اقتراب عقارب الساعة من الواحدة، تتلون الساحة أكثر مع مجيء أنصار »حزب الكتائب« و«القوات اللبنانية« الذين غلب الصمت على صفوفهم. وتتضاعف أعداد صور الوزير الجميل، وعليها: »العدالة لك أيضا«. صور رئيس الهيئة التنفيذية في »القوات اللبنانية« سمير جعجع، والرئيس الراحل بشير الجميل، تزيد أعدادها أيضاً، وعلى إحداها: »لن نحيد عن خط حددناه بالدم«. ويطلق حاملوها هتافات تصب في معظمها ضد عون ولحود. وتعلو صرخات: »إيه ويللا عون اطلع برا« و«بيكفي بيكفي ع بعبدا بدنا نكفي«. وعلى الأرض بقايا صور عون والرئيس الأسد بعد حرقها.

وفي الواحدة، يمر نعش الوزير الجميل، أمام ضريح الرئيس الحريري، ويجتاز جامع محمد الأمين حيث ترفع صورة عملاقة للجميل، وعليها عبارة: فدى لبنان. مع مرور النعش يصفق الحاضرون بقوة. ويخرج أحدهم من جيبه صورة مطوية للشهيد، ينظر إليها ملياً ويبتسم.

Thursday, November 23, 2006

هنا دارة العائلة ... حيث الحزن في كل مكان

هنا دارة العائلة ... حيث الحزن في كل مكان

منال أبو عبس
Al-Hayat (771 كلمة)
تاريخ النشر 23 نوفمبر 2006



في قلب الغرفة يقف الشيخ أمين الجميل. الرئيس السابق يبدو متماسكاً، تماسك رجل دولة ألمت به مصيبة. غير بعيد منه يقف نجله سامي، وابن أخيه نديم بشير الجميل.

هنا في وسط الغرفة الفسيحة في قصر بكفيا، دارة مؤسس »حزب الكتائب« بيار الجميل، يستلقي نعش بيار الجميل الحفيد، وقد سقط شهيداً.

تقطع شهقات زوجته باتريسيا، الصمت المطبق على المكان. الى جانبها تركع شقيقته نيكول على الأرض، ملقية بثقل رأسها على نعش أخيها. حزن الأخت على أخيها له طابع آخر. حزن يحرق القلب على سند رأس أزاحه الموت. العمة الراهبة ارزة لم تكف عن تلاوة الصلاة. إيمان العمة التي نذرت نفسها للكنيسة يخفف عليها وطأة المصيبة.

النعش يتوسط الغرفة، والحجارة الصخر التي شيد منها المكان، تضاعف الإحساس بالكآبة. يمر المعزون واحداً تلو الآخر. يمدون أيديهم، فتتلقفها أيد أخرى تبحث عن مواساة. لا تقوى أيدي جويس، والدة الشهيد على تلقف أيدي المواسين. قدماها أيضاً لم تقويا على حملها، فسقطت على المقعد القريب من مقعد ابنها سامي. أي قدمين تحملان أما تنظر الى نعش ابنها يتوسط الغرفة؟

يمر السياسيون واحداً تلو الآخر، كما في شريط سينمائي. لا هيبة للسياسي وقت تقع المصيبة، ولا أهمية لتصريحات من هنا وأخرى من هناك. يمر السياسيون، ولولا وسائل الإعلام تتحلق من حولهم، لما انتبه أحد لوجودهم.

تمسد باتريسيا بيديها على النعش، وقد كسته بالدموع. تمرر يديها برفق على علم يلف النعش. لا أحد يعلم أي ذكريات تمر في رأس باتريسيا الحزينة الآن.

يغص القصر وشرفته ودرجه بالبشر. تشبه الصورة صوراً كثيرة اعتدنا عليها منذ نحو سنتين وحتى قبل ذلك. صور نعوش تتوسط الغرف. صور نساء يبكين دفئاً لن يلمسنه يوماً آخر. وصور مصورين يلتقطون الحزن في أعين الزوجة والأم والأب والأولاد.

تغص الساحة حيث حديقة القصر بالبشر. تلتصق الأجساد بعضها ببعض، ويستحيل التحرك خطوة واحدة. ساعات تمر قبل أن يصل المعزون في الساحة الى الغرفة التي يتوسطها النعش.

هنا الحزن في كل مكان. في الساحة المكتظة بالبشر. في الزاروب المؤدي الى ساحة أخرى ثم الى درج يوصل الى الغرفة التي يتوسطها النعش.

الساحة الخارجية تغص أيضاً بالبشر. شبان وشابات في الأغلب. بعض الرجال المسنين يجلسون على الكراسي البلاستيك. في هذه الساحة لا يسود الصمت. تنعقد حلقات الحوار ويغلف الانفعال والغضب وجوه البشر. يقول جان: »لن نرتاح قبل أن يسقط اميل لحود وميشال عون حاميا النظام السوري«. جان كان كتائبياً عندما اندلعت الحرب الأهلية. وخسر في القتالات التي شارك فيها قدمين وعيناً، ويضيف أن »الهدف من اغتيال الشيخ بيار هو إلغاء المحكمة الدولية وإسقاط الحـكومة لخلق فراغ دستوري«. يقول إن »ســورية دخــلت الى لبنــان في ظروف مشابهة للظروف الحالية. وان سـورية واسـرائيل متفـقتان علينا«.

رفيق جان الجالس الى جانبه، يقول: »إننا معتادون على أن يقتلوا لنا زعيماً كل فترة«. يرى في المشهد شبهاً لما سبق الحرب الأهلية، لكنه يؤكد »أننا اليوم أقوى. عندنا وحدة وطنية سنية ومسيحية ودرزية«، والوضع شديد الخطورة.

في المقلب الآخر من الساحة يجلس ثلاثة شبان وفتاة. يقولون انهم خسروا مثالاً أعلى آخر بعد الشيخ بشير. يفهمون خطاب الشيخ أمين الذي دعاهم الى التهدئة. ولا يفهمون لماذا »يحق للفريق الآخر النزول الى الشارع وإشعال الإطارات وتحطيم الأملاك العامة، إذا تعرض قائدهم للنقد في أحد البرامج التلفزيونية، أما نحن فيقتلون قادتنا، ويطلبون منا ضبط النفس«.

يغطي اللون الأسود الساحة الفسيحة. وتكسو الطرق المؤدية الى دارة آل الجميل صور شهداء انتفاضة الاستقلال وعبارة: »لن ننسى«. وأمس أضيفت صورة بيار الجميل مبتسماً، وخلفه السيارة التي اخترق زجاجها الرصاص في وضح النهار، وفوقها عبارة: »لن ننسى«.

Friday, November 17, 2006

صور السنيورة ترد على الهجمة الشرسة

من عالم المال البارد ... في مواجهة « الأستاذ والرئيس والمعلم »
 صور السنيورة ترد على الهجمة الشرسة بـ « الحبيب » و « أشرف الناس »

منال أبو عبس
Al-Hayat (725 كلمة)
تاريخ النشر 17 نوفمبر 2006


يقول أبو زياد ان رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة يتعرض لهجمة شرسة. يغوص في شرح سياسات المحاور الاقليمية وتداخلاتها الدولية، ويرد على السائل عن سبب رفعه صورة السنيورة على شرفة منزله، متعجباً كأن في السؤال طعناً بولاءاته الوطنية.

»الشرفة تخصني، ولا أحد اكثر من الرئيس السنيورة ولاء للوطن لأرفع له صورته«، يقول. ثم تقود تفاصيل أخرى الى ما مفاده ان الصورة رفعت على شرفة أبو زياد مباشرة بعد الخطاب الأخير للأمين العام لـ »حزب الله« السيد حسن نصر الله. وبالتحديد بعدما استبدل جيرانه في البناية المقابلة بالصورة القديمة للسيد نصر الله أخرى حديثة تذيلها عبارة: »صدق وعد الله«.

»نعم، نكاية بالجيران«، يقر أبو زياد أخيراً، ممسداً بإصبعه عبارة خُطّت أسفل صورة الرئيس السنيورة: »أشرف الناس«.

حكاية أبو زياد والصورة، واحدة من حكايات كثيرة أخرى، ساهمت مجتمعة في انتشار صور السنيورة في اكثر من منطقة في بيروت. الظاهرة لا يمكن الا ملاحظتها، فرئيس حكومة لبنان لم يكن يوماً مرشحاً للمجلس النيابي، وقبل الأزمة الأخيرة لم ترفع له صور في بيروت ولا في ضواحيها. كما ان الرجل الآتي الى النادي السياسي من عالم المال البارد، لم يكن ذكره محبباً إلى قلوب الجماهير وجيوبهم... خصوصاً بعد الربط بينه وبين الضريبة على القيمة المضافة، وقبلها مشاريعه الكثيرة حين كان وزيراً للمال.

»الحبيب الغالي« عبارة تذيل صورة أخرى للسنيورة. تتدلى الحبال التي تحمل الصورة من شرفتي بنايتين متقابلتين، فتتوسط شارع مار الياس التجاري المكتظ دوماً بالمارة والسيارات. »لم يكن للسنّة يوماً زعيم يرفعون صوره قبل الرئيس الشهيد رفيق الحريري«، يقول أبو خالد، القاطن في المنطقة منذ أكثر من 30 سنة. ويضيف أن الصورة ترتفع في وجه المشككين في زعامة »حافظ الامانة«، أي رئيس الحكومة، وبالتالي تأتي رداً مباشراً »في وجه الذين يطالبون برحيل السنيورة«.

غير بعيد من الشارع المكتظ، يبدي سائق التاكسي انزعاجه من الصورة المرفوعة للسنيورة، فوق عبارة: »يا جبل ما يهزك ريح«. يجيب عن سبب تغطيته الزجاج الخلفي لسيارته بصورة للسيد نصر الله، بأن »على كل انسان أن يلتف حول قادته، والسيد رفع راسنا عالياً«. لا يقبل السائق ان يجادله أحد في قناعته، لكن الطريق سرعان ما يؤدي الى تلك الصورة المرفوعة في منطقة زقاق البلاط للرئيس نبيه بري والعماد ميشال عون والسيد نصر الله، وتحتها اختصر أحدهم مستقبل لبنان السياسي بعبارة »استاذنا. رئيسنا. معلمنا«، وقد كتبت أسفل صورة الزعماء الثلاثة.

صور النائب سعد الحريري وعبارات مثل »سعد لبنان« أو »ابن الحبيب«، أيضاً ليست جديدة، وتكاد ان تكسو لبنان منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري. لكن انتشار صور السنيورة أخيراً، على رغم مرور نحو سنة ونصف سنة على توليه رئاسة الحكومة، يثير كثيراً من التساؤلات.

»لم يبقَ الا أن يتهموا رئيسنا بالعمالة. القصة كبرت. والجميع يعرف انه اذا تخلى السنيورة عن المحكمة الدولية، يصير أحسن زعيم«... تعني العبارة ان الالتفاف حول الأخير يجسد احتجاجاً على الانتقادات التي يتعرض لها. تسأل باسمة القاطنة في الطريق الجديدة عن سبب انقلاب »بعضهم« على السنيورة، وتبدو أكيدة أنه »لن يساوم على دماء الرئيس الحريري«، لكنها تقول انها ترفع صورته في متجر زوجها لـ »يعرف الجميع اننا نحب الرئيس السنيورة ونقدره«.

مساء أول من أمس، ألصق شبان صوراً للسنيورة في الشوارع المتفرقة من مار الياس والزيدانية، كتب عليها: »سنيورة لبنان أولاً«. ويقول احد الشبان إن »الرئيس السنيورة خط أحمر«. على عمود للكهرباء في منطقة بشارة الخوري ترتفع صورة للسيد نصر الله مبتسماً. فوق الوجه كتب: »من سينزع سلاح المقاومة«، وتحته: »باق، باق، باق«.

منطقة الطريق الجديدة تبدو نسبياً بعيدة من بشارة الخوري. في شارع التمليص القريب ترتفع صورة للسنيورة، وعليها: »باق، باق، باق«.