Wednesday, May 21, 2008

محكمة لبنان لن تستمع إلى الشاهد الأول قبل 2010


رئيس الادعاء في محكمة سييراليون: محكمة لبنان
لن تستمع إلى الشاهد الأول قبل 2010


منال أبو عبس
Al-Hayat (642 كلمة)
تاريخ النشر 21 مايو 2008


لا يبدي رئيس قسم الادعاء في محكمة سييراليون المستشار القانوني لوك كوتيه تفاؤلا كبيرا بإمكان مباشرة المحكمة ذات الطابع الدولي الخاصة بلبنان عملها الفعلي قبل عامين من الآن. واستنادا إلى تجربة القانوني الفرنسي- الكندي التي تمتد إلى نحو 20 سنة من العمل على التحقيقات في جرائم الحرب في كندا ورواندا، ثمة خطوات ستلي تشكيل المحكمة ويسهل التنبؤ بها. ويقول: »بحلول كانون الثاني (يناير) 2009، المحكمة ستكون أنشئت. وإذا قلنا أن المتهم الأول سيكون موجودا لديها بحلول شهر آذار (مارس) أو نيسان (أبريل)، فإن الخطوة الأولى للدفاع بحسب اعتقادي ستكون الطعن في اختصاص المحكمة، ما سيؤدي إلى تجميد الإجراءات مدة شهر أو اثنين، للنظر في الاختصاص. ثم يأتي دور الاستئناف«. ويضيف: »أرى أن المحكمة لن تباشر عملها وتستمع إلى الشاهد الأول قبل الوصول إلى قرار محكمة الاستئناف. وذلك لن يتم ذلك قبل سنة من تأسيسها أي بحلول العام 2010«.

وبحسب كوتيه الذي التقته »الحياة« على هامش ورشة عمل نظمتها مؤسسة »فريديريتش ايبرت« و«المركز الدولي للعدالة الانتقالية« في برلين ولاهاي، فإن سير المحكمة لن يتأثر بأي أحداث أو تغيرات في تركيبة الحكومة أو المجلس النيابي اللبناني، فـ«المحكمة أنشئت تبعا لقرار من مجلس الأمن. وهي ستأخذ طريقها إلى التنفيذ بصرف النظر عما يجرى في الداخل«. غير أن إجاباته لا تعكس تطمينات عندما يتعلق الأمر بتسوية محتملة بين سورية وأميركا أو غيرها: »عندها يمكن أن يطرأ تغيير«. »أن يصدر مجلس الأمن قرارا يلغي قراره السابق؟« نسأله، فيجيب: »كل شيء جائز«.

وعلى رغم إصرار كوتيه على عدم توجيه اتهامات، إلا أنه يرى أن »سورية لن تقدم الشهود إلى المحكمة«، وأن الضغط عليها لا يمكن أن يتم إلا من خلال »اللجوء إلى مجلس الأمن«، غير أنه يضيف أن »مجلس الأمن في العادة لا يفرض عقوبات على دول لم تتعاون مع المحكمة«.

وعن تصريحات أشخاص من المعارضة اللبنانية بأنها لن تقدم شهودا للمحكمة، يوضح كوتيه: »من الناحية القانونية لدى المحكمة صلاحية إصدار أمر اعتقال عن المحكمة كشاهد«، معتبرا أنه »قد يكون ضارا للشاهد أن يمتنع عن المجيء للإدلاء بشهادته«.

يتحدث كوتيه بأسف عن الوضع الأمني في لبنان، إذ أنه »أكثر خطورة من بقية الدول التي شهدت محاكم دولية«، لكن من وجهة نظره إليه »الوصول إلى العدالة هذه المرة ضروري من أجل مصلحة البلد«.

وعن الضغوط السياسية على المحكمة، يجيب: »ما من محكمة دولية إلا وتعرضت للضغط السياسي. كلها شكلت لأسباب سياسية. غير أن نظامها الأساسي هو الذي عليه أن يضمن معايير الاستقلالية عن الحياة السياسية. القضاة المحليون عندهم خلفيات وهذا موجود في كل المحاكمات، غير أن القضاة الدوليين سيضمنون حيادية المحاكمة«

وفي شأن حصانة رؤساء الدول، يقول: »إذا حدد النظام الأساسي للمحكمة أن لا حصانة للرؤساء، فهذا يسري حتى على رئيس لبنان، لكن في النظام الأساسي لمحكمة لبنان لا وجود لهذا الأمر. وكونهم لم يذكروا ذلك في النظام الأساسي، فمن المؤكد أن ثمة سببا ما وراء ذلك«.

ويرى كوتيه أن »السمة الأهم لمحكمة لبنان هي أنها دولية، لكنها تتناول أحداثا محلية محددة«، معتبرا أن »حصر الأحداث يزيح عن المدعي العام عبء الضغط السياسي، لأنه طلب منه مسبقا أن ينظر في جرائم محددة«، ولافتا إلى أن موضوع مسؤولية الرئيس عن المرؤوس »يخص المدعي العام الذي عليه أن يحدد من هو المتهم«. ويضيف: »المدعي العام أيضا يحدد من سيحاكمون معا. وهل ستكون المحاكمة لكل شخص على حدة. ومن سينضم إلى من في هذه القضية، وسيتخذ قرار عن الأدلة التي سيقدمها«. ويتطرق كوتيه إلى لجنة التحقيق الدولية، معتبرا أن »التقرير الذي ستقدمه اللجنة مهم جدا للمدعي العام، لكن لا بد من أدلة إضافية مثل شهود ومستندات«، موضحا أن »المعلومات الاستخباراتية ليست أدلة جيدة في المحكمة، لكنها عادة تعطي طريقا للوصول إلى الأدلة الجيدة. فقد يكون هناك تضليل من أجهزة استخبارات وهذا أمر معروف ويحصل. والمدعي العام يعرف ذلك وهو سيشكك في كل معلومة استخباراتية حتى لو كانت من الحكومة اللبنانية«.

ويلفت كوتيه إلى خطوات تميز محكمة لبنان عن المحاكم الأخرى وتسرع من عملها، منها »تعيين قاضي الإجراءات التمهيدية مسبقا، إضافة إلى إنهاء لجنة التحقيق الدولية عملها قبل بدء المحكمة«. ويقول: »هناك تدابير صارمة تحول دون أي تأخير. هذه المحكمة ستكون الأسرع، وهذا لا يعني أنها ستكون غير عادلة«.

Sunday, May 18, 2008

المحكمة أصبحت حقيقة... وقد تعترضها مشاكل

تعارض فرض عقوبات على سورية إذا لم تتعاون
رئيسة لجنة حقوق الإنسان في البرلمان الألماني:
المحكمة أصبحت حقيقة... وقد تعترضها مشاكل


منال أبو عبس
Al-Hayat (484 كلمة)
تاريخ النشر 18 مايو 2008
< شددت وزيرة العدل الألمانية السابقة ورئيسة لجنة حقوق الإنسان في البرلمان الألماني هيرتا دوبلر جميلين على أهمية الدور الذي ستلعبه المحكمة ذات الطابع الدولي الخاصة بلبنان، معتبرة أن مجرد مباشرة المحكمة عملها سيعني التقدم »خطوة أو خطوتين في اتجاه تحقيق العدالة« في البلد الذي عرف عددا ملحوظا من الاغتيالات السياسية.

وأعربت جميلين لـ?»الحياة« عن معارضتها فرض عقوبات على سورية في حال رفضت التعاون مع المحكمة وتسليم المطلوبين لديها. وقالت: »هناك الآن علاقات سياسية افضل بين سورية والدول الأوروبية، وربما عدد من الدول الأعضاء في مجلس الأمن والأمم المتحدة، وهناك أمل كبير في الوصول إلى إقناع سورية بأن التعاون سيكون افضل بالنسبة اليها، من عدم التعاون«، مجددة التأكيد أن »التفاوض والتعاون من أفضل السبل الممكنة، وأنا شخصيا لا أؤمن بالعقوبات«، وأن »المحكمة صارت قوة واقعية وحقيقية في المنطقة، ولن يكون ممكنا التنازل عنها«.

وعن حال الانقسام الداخلي بين الفرقاء السياسيين في لبنان، رأت جميلين أن »المحاكم الدولية لم تكن تعمل عادة في ظل توافق داخلي«، مشيرة إلى أن »المحكمة لا يمكنها أن تحل الخلافات السياسية في لبنان، بل أن تأخذ إجراءات محددة لتردع مرتكبي الجرائم«.

وقللت جميلين من أهمية التشكيك في نزاهة القضاة المشاركين في المحكمة، معتبرة أن »لا يجوز في هذه المرحلة التركيز على البحث عن هويات القضاة وأسمائهم، لأن هذا سيعرض حياتهم للخطر«، ومطمئنة المشككين بأن »ليس هناك أي سبب للتشكيك في نزاهة القضاة. فلا محكمة دولية تختار قضاة غير كفوئين وذوي الثقة«.

وردا على سؤال عن الوضع الأمني في لبنان، قالت جميلين: »قد يكون الوضع خطيرا في لبنان إلى حين مباشرة المحكمة عملها، وما يمكن عمله لتفادي هذه المخاطر هو أن تبدأ المحكمة عملها في أسرع وقت حتى تتوقف هذه المخاطر، في حال وجودها«، رافضة الدخول في تفاصيل الحياة السياسية والانقسام السياسي في لبنان، معتبرة أن »هذا شأن داخلي لبناني، والإجابة متروكة للشعب اللبناني«.

وأكدت جميلين التي التقت عددا من الإعلاميين في إطار زيارة نظمتها مؤسسة »فريدريش ايبرت« و?»المركز الدولي للعدالة الانتقالية« إلى ألمانيا أن »المحكمة قد تساعد في الوصول إلى العدالة«، من دون أن تنفي إمكان مواجهتها عددا من المشاكل«. وقالت: »طبعا هناك مشاكل ستصادفها، كما هناك مهمات عدة يجب على لبنان القيام بها، لكن في النهاية المحكمة تبقى خطوة أساسية في اتجاه الوصول إلى العدالة«.

وأبدت جميلين أسفها للوضع الأمني في لبنان، مؤكدة أن »الشعب متألم من الوضع والانقسام بين الفريقين السياسيين، وهناك الكثير من التدخلات الخارجية«، ومشددة على أن »ربما الوسائل السياسية هي خطوة لمساعدة لبنان، والخطوة الأخرى هي المحكمة«. كما أكدت أن »الاستقرار والسلام من دون عدالة غير ممكنين«.

وعن تأثير كون المحكمة خارج لبنان، أجابت جميلين: »ربما كان من الأفضل لو أن المحاكمة أجريت في لبنان، لكن لم يكن هناك أمل. اعتقد بأن المحاكمة خارج لبنان قد تعطي الأمل بالتقدم خطوة أو اثنتين في اتجاه العدالة«.

ويشار إلى أن جميلين كادت تثير مشكلة بين ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية على أثر تصريحات نقلتها عنها إحدى الصحف عام 2002 وشبهت فيها منهج الرئيس الأميركي جورج بوش السياسي في العراق بسياسات أدولف هتلر. ولم تحل الازمة إلا بعدما أعلن المستشار الألماني آنذاك غيرهارد شرودر أنها قدمت استقالتها.

فؤاد شهاب لإدخال «الكتائب» إلى السلطة

قانون سنه فؤاد شهاب لإدخال «الكتائب» إلى السلطة بعد أحداث 1958

منال أبو عبس

Al-Hayat (1,144 كلمة)

تاريخ النشر 18 مايو 2008

مع انتهاء حال العصيان المدني »المسلح« الذي اجتاحشوارع بيروت والمناطق خلال الأسبوع المنصرم، وانطلاق الحوار بين الفرقاء اللبنانيين في العاصمة القطرية الدوحة، بدأت ملامح مرحلة جديدة ترتسم في الأفق. ولما كان قانون 1960 واحدا من محاور الخلافات »القديمة« بين الفريقين، ما جوهره، وأية تقسيمات للدوائر الانتخابية يستند اليها؟


في 26 نيسان (أبريل) 1960 وضع الرئيس اللبناني فؤاد شهاب قانونا انتخابيا جديدا موضع التنفيذ. فلسفة القانون، الذي عرف لاحقا بقانون الستين، كانت تنبع من وحي العهد الجديد. فلبنان كان خرج للتو من ثورة 1958 الدامية، فيما المتاريس لا تزال مرفوعة فاصلة بين أبنائه. والهدف الأهم لشهاب الذي خلف لتوه الرئيس كميل شمعون، كان قــانون انتــخاب يــضمن حــدا أدنى مــن الاستقرار في الــشارع، رأى شهاب أنه يتحقق عبر إدخال الأطراف الــمتنازعين إلى المؤســســات الدســتورية.




أدخل القانون الجديد تقسيمات إدارية على البلد، قيل إنها لـ »ضرب« خصوم شهاب، أي شمعون وعميد »الكتلة الوطنية« ريمون اده. وأيضا من أجل ضم قوة مسيحية ضاربة إلى صف شهاب، فكان الحلف بين حزب »الكتائب اللبنانية« برئاسة بيار الجميل والشهابية.




بعد انتخابات عام 1960 بدا واضحا أن القانون الجديد أمن الاستقرار على المستوى السياسي وفي الشارع. وأجريت على أساسه أربع دورات انتخابية متتالية في الأعوام: 1960 و1964 و1968 و1972، فكان القانون الانتخابي الوحيد الذي لم يعدل عشية أية انتخابات.




رفع قانون الـ1960 عدد النواب من 66 إلى 99 نائبا، 54 منهم للمسيحيين و45 للمسلمين. وقسم الدوائر الانتخابية إلى 26 دائرة على أساس القضاء، باستثناء حالات عدة، دمج فيها قضاءان معا: حاصبيا ومرجعيون والبقاع الغربي وراشيا وبعلبك والهرمل التي صار كل قضاء منها دائرة انتخابية واحدة.




واعتمدت عواصم المحافظات دوائر انتخابية: بعبدا وطرابلس وزحلة وصيدا، فيما قسمت بيروت إلى ثلاث دوائر انتخابية: أولى تضم الأشرفية والرميل والمدور والصيفي والمرفأ وميناء الحصن، وهي ذات غالبية مسيحية (8 مقاعد: 1 ماروني و1 كاثوليك و1 أرثوذكس و1 إنجيلي و1 أرمن كاثوليك و3 مقاعد للأرمن الأرثوذكس). وثانية تضم زقاق البلاط والباشورة ودار المريسة، وهي ذات غالبية إسلامية سنية وشيعية (3 مقاعد: سني وشيعي وأقليات)، وثالثة تضم رأس بيروت والمزرعة والمصيطبة (5 مقاعد: 4 سني ومقعد أرثوذكسي)، وهي ذات غالبية سنية.




وأدت التقسيمات آنذاك، إلى وصول بيار الجميل إلى البرلمان، عن المقعد الماروني في الدائرة الأولى التي كان يقال إن المعركة الانتخابية فيها مارونية تجرى على أرض أرثوذكسية بأصوات أرمنية وأموال كاثوليكية. كما راعت حليف شهاب الدرزي الزعيم كمال جنبلاط، إذ جمع قانون 1960 الدائرتين الشوفيتين: بعقلين وجون، ودير القمر وشحيم. وكان شمعون قسمهما قبلا ليضعف خصمه جنبلاط.




بين 1960 و2008




تفيد دراسة حديثة لمؤسسة »الدولية للمعلومات« عن قانون 1960، بأنه لا يؤمن المساواة بين المسلمين والمسيحيين ولا يسمح للمسيحيين بانتخاب جميع نوابهم.




وتستند الدراسة إلى أعداد الناخبين المسجلين في الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2005، لتقول إن في حال اعتماد القضاء دائرة انتخابية وفقا لقانون الـ1960، يمكن ملاحظة عدم المساواة بين الناخبين من الناحية الطائفية (المسلمون أكثر عددا من المسيحيين)، كما أنه لا يسمح للمسيحيين باختيار نوابهم جميعا، بل هناك عدد من النواب المسيحيين يختارهم في شكل تام أو يتحكم في اختيارهم الناخب المسلم.




وإلى جانب الدراسة، فإن الأصوات الرافضة لقانون 1960 بصيغته القديمة تبدو مرتفعة في هذه المرحلة. فبالنسبة إلى كثيرين من مطلقي هذه الأصوات، لا يمكن مناقشة قانون الانتخاب العادل بمعزل عن التغييرات الإدارية التي أوجدها اتفاق الطائف.




فهو فرض عام 1989 المناصفة في توزيع المقاعد بين المسلمين والمسيحيين. كما نص على تعيين نواب بدل المتوفين خلال الحرب، ورفع العدد إلى 128 نائبا (من 99 في قانون الـ?1960). كما أشار إلى اعتماد المحافظة دائرة انتخابية (ارتفع عدد المحافظات إلى 9، بعدما كانت 5 في القانون القديم) بعد إعادة النظر بالتقسيمات الإدارية.




ومنذ انتهاء الحرب حتى الأشهر الأولى من العام الحالي، كان قانون الـ?1960 بالنسبة إلى البطريرك نصرالله صفير (المرجعية المارونية الأكثر تأثيرا)، أفضل من قوانين الأعوام 1992 و1996 و2000 التي كشفت الخلل الفعلي في التمثيل المسيحي. غير أن موقف البطريرك لم يدفع الفرقاء السياسيين في السنوات الماضية إلى الأخذ بالقانون القديم.




وقبل أشهر أثار صفير زوبعة في فنجان الحياة السياسية، معلنا تراجعه عن دعم القانون القديم بسبب التغييرات التي طرأت على واقع التقسيمات الإدارية والتغييرات السكانية، من دون أن يخفي تأييده أصغر دائرة ممكنة (الدائرة الفردية).




أطلق الموقف الجديد للبطريرك السجال في شأن القانون الانتخابي المرتقب. وسار الفرقاء في معركة بدت كأنها اختبار مسبق لقدرة كل فريق على جني الثمار السياسية في حال فرض القانون موضوع النقاش. وبما أن الدائرة الانتخابية هي التي تحدد المكاسب السياسية، رسم كل فريق الدائرة الانتخابية التي تناسبه. وأضاف إلى قائمة الخلافات العميقة عنوانا جديدا هو القانون الانتخابي.




فريق المعارضة بأطيافه الكثيرة، ينادي بالأخذ بقانون الـ1960 كما هو، ويرمي بمطلبه في وجه فريق الأكثرية، رافضا مجرد الحديث عن إدخال تعديلات. في حين تضع الأكثرية شرطا حاسما قبل استعدادها القبول بالقانون القديم هو تعديله مسبقا. الخلاف انحصر في مسالة التعديل أم عدمه. وبالتفصيل:




تميل الأكثرية النيابية إلى رفض قانون الـ1960 كما هو، والى إمكان الأخذ به بعد التعديل، أي بعد إعادة توزيع المقاعد الـ29 التي أضيفت إلى قانون 1960 وجعلت البرلمان يضم 128 نائبا، وبعضهم فرضته دمشق بغية إنابة حلفاء لها في دوائر تفتقر إلى عدد من الناخبين يستلزم وجود المقعد فيها. (إضافة إلى نزع الاستثناء عن قانون 1960 الذي دمج ستة أقضية في ثلاث دوائر انتخابية، الأمر الذي يحتم رفع الأقضية الـ26 في قــانون 1960 إلــى 29 قضاء تحقيقا للمساواة بين الأقضية تلك).?




وينادي »تيار المستقبل« برئاسة النائب سعد الحريري بالأقضية المتعارف عليها. في حين، يبدو رئيس »اللقاء الديموقراطي« وليد جنبلاط غير متمسك بالقضاء، في ظل تحالفاته الحالية.




ويتمسك فريق المعارضة بدوره، بقانون الـ1960 من دون تعديل، غير أن لكل طرف في داخله رأيا في القانون الانتخابي الأنسب في حال عدم اعتماد القانون القديم.




فتكتل »التغيير والإصلاح« النيابي برئاسة النائب ميشال عون، ينادي بالدوائر الصغرى في حال اعتماد النظام الأكثري، والكبرى في حال اعتماد النظام النسبي.




أما »حزب الله« فطالما كان مشروعه يرتكز على صيغة »القائمة الموحدة« على أساس المحافظة والنسبية. وحركة »أمل« بزعامة رئيس المجلس النيابي نبيه بري أيضا مستعدة للقبول بأي قانون انطلاقا من قانون 1960 وما فوق (بلا تعديل) في إشارة إلى الدوائر الأكبر من القضاء.




مشروع "الهيئة الوطنية"


في 8 آب (أغسطس) 2005 شكلت الحكومة »الهيئة الوطنية الخاصة بوضع قانون الانتخابات النيابية« وكلفتها وضع مشروعها.




بعد تسعة أشهر، قدمت الهيئة »لجنة فؤاد بطرس«، واعتمد النسبية في دوائر واسعة فيها تنوع طائفي.




وعلى رغم عدم اعتراض الأطراف السياسيين (في العلن) على مشروع الهيئة، إلا أن المجلس النيابي لم يعقد جلسة يناقش فيها المشروع الذي أحالته الحكومة إليه.




المحامي زياد بارود العضو في الهيئة. يرى أن أي قانون انتخابي يجب أن يندرج في إطار المادة 24 من الدستور التي تقول بالتساوي في المقاعد بين المسلمين والمسيحيين وتوزيعها.




قانون الـ1960 بالنسبة إلى بارود لا يلبي طموحات اللبنانيين من ناحية إصلاح النــظام الانتخابي، فـ?»منذ عام 1960 تــطور الأداء الانــتخابي عبــر العالم، وصــارت الانتخابات علما قائما بذاته.




آنذاك، لم يكن واردا الكلام عن تنظيم الإعلام وضبط النفقات الانتخابية واقتراع غير المقيمين والكوتا النسائية ومكننة العملية الانتخابية«.
ويقول عن القانون القديم أيضا انه »لم يعتمد معيارا واحدا في التقسيم على مستوى حجم الدائرة وعدد المقاعد والحاصل الانتخابي«. غير أنه من وجهة نظر بارود »إذا كان المقصود من إعادة طرح قانون الستين هو الانطلاق من تقسيماته مع تعديلات طفيفة تأمينا لتوافق سياسي، فهذا أمر لا يمكن إلا أن ينظر إليه من باب التسوية، وبالتالي لا يمكن الوقوف في وجهه«.

Friday, May 16, 2008

بيروت ليست تل أبيب

 أبناء العاصمة يصرخون : بيروت ليست تل أبيب


منال أبو عبس
Al-Hayat (1,374 كلمة)
تاريخ النشر 16 مايو 2008


في محلة الضناوي في قلب بيروت، ترتفع لافتة كبيرة وحديثة، تحمل من الجانبين صورتي رئيس المجلس النيابي نبيه بري والأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله تتوسطهما نجمة داود. وفوق النجمة مباشرة الآية القرآنية الكريمة: »وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة«.

قبل أسبوع واحد من اليوم كانت ترتفع مكان اللافتة الكبيرة، صورة للإمام المغيب موسى الصدر، خلفه راية لـ?»حركة أمل«، من الواضح أنها استبدلت بأخرى بعد انتفاضة المعارضة في شوارع بيروت لتطبع الأحداث الأخيرة بطابع التصدي لإسرائيل.

إلى اليمين من اللافتة، كتب بخط عريض على الحائط، عبارة: »الحرب ليست ضد أهلنا السنة. بل ضد »القوات« و«الاشتراكيين« و?»المستقبل«، وبتوقيع: »من يريد أن يحاسبنا، أهلا وسهلا«.

في مناطق »الصراع« الأخرى: كورنيش المزرعة وبربور ورأس النبع والطريق الجديدة ومار الياس، يروي كثر عن أيام يتمنون ألا تعود. ويعكس وجوم وجوههم حنقا وخيبة. إذ بحسب عباراتهم: »ما حصل أحدث جرحا من الصعب جدا أن يندمل«.

هكذا تنظر بيروت الى الأحداث التي ضربت قلبها. تتحول شوارعها إلى غابة من رايات »حزب الله« وحركة »أمل« و?»القومي السوري الاجتماعي« وصور قادتهم. وتظهر خجولة في بعض مناطقها صور الرئيس الشهيد رفيق الحريري ونجله النائب سعد الحريري ورايات »تيار المستقبل«، فيما تغيب كليا رايات »التيار الوطني الحر«.

في مار الياس تروى حكايات كثيرة عن يوم الخميس الأسود وما سبقه وما تلاه. يومها كانت انطوانيت تقف على شرفة منزلها في الطبقة الرابعة، وإذا بجندي من الجيش اللبناني يصرخ فيها أن تدخل إلى البيت. تسأله عن الذي يحصل، فلا يجيب. تدخل انطوانيت. ويغطي الرصاص صوت الصراخ. تبيت ليلتها في الحمام، ومن هناك تتصل بابنها كل 5 دقائق. ترجوه ألا يعود إلى بيته، وأن ينام عند خطيبته في »الشرقية«. فبالنسبة اليها »هناك الوضع أكثر أمانا«. في المبنى المجاور من مبنى انطوانيت، تقطن أم محمد. بيتها في الطبقة الأولى، وتقول إنها سمعت أحد العسكريين يصرخ: »وصلوا«، أي المسلحون، قبل أن يختفي كل الجنود، وتترك الساحة للمسلحين الملثمين. يصرخ أحدهم ووجهه إلى الأعلى: »من كان في منزله صورة للحريري، فليحضرها إلى هنا ويمزقها أمام أعيننا، وما لم يفعل ذلك فلن نعفو عنه«.

تتشابه روايتا السيدتين عن المرحلة التي تلت انسحاب الجيش: »ينقسم المسلحون إلى فرق يتألف كل منها من اثنين أو ثلاثة شبان. بعضهم يتوسطون الشوارع ويطلقون النار في الهواء وفي اتجاه شرفات الأبنية، وبعضهم يدخلون إلى نواطير الأبنية ويسألونهم ما إذا كان في المبنى شبان من »تيار المستقبل«. النواطير في الأغلب ينفون، غير أن المسلحين يجدون ضالتهم في الأسماء المسجلة على الانترفون. من هناك يختارون الشقق »الواجب تفتيشها والتحقيق مع قاطنيها«.

حكاية النواطير مع المسلحين لم تقف عند حد السؤال والإجابة عنه. كثر منهم تعرضوا للشتم والإهانة. وكثر أيضا، اختفت نقودهم بعد تفتيش المسلحين للحقائب، بحسب روايات النواطير وأبناء المنطقة.

في الطريق الجديدة الرواية مختلفة. هنا »قلعة الصمود« بالنسبة إلى »تيار المستقبل«. وعلى مداخلها ومتفرعاتها ما زالت تلوح صور الحريري وعبارات: أنت زعيمنا. وتصل حبال الشرائط الزرق بين الشرفات. غير أن الجديد هنا صورة لمن سقطوا خلال التشييع الأسبوع الماضي، مكتوب عليها: »مجزرة »حزب الله« وحركة »أمل«. وبجانبها لافتة كبيرة: »أهل بيروت لا يوجهون سلاحهم إلا إلى العدو الصهيوني«.

يختصر تاجر في الطريق ما حصل: »حاول مسلحون من حركة »أمل« الدخول إلى المنطقة من ناحية جامع عبد الناصر. قابلهم من الناحية الأخرى مسلحو »حزب الله«. تصدى لهم شباب المنطقة، فلم يتمكن المسلحون من الدخول. في اليوم التالي، دخل الجيش«.

إلى جانب رواية التاجر، رواية على لسان شابة من المنطقة. تقول إنها رأت الشبان يبكون متوسلين وسطاء أن يخبروا سعد الحريري أن يمدهم بالسلاح. هؤلاء بنظرها ما كانوا ليسكتوا عن استباحة بيروت. غير أن السلاح لم يصل. »وقف بعضهم وسط الطريق وراح يشتم. شتموا 14 آذار وسعد الحريري الذي لم يسلحهم. وصاروا يشترون رصاصة الكلاشينكوف بدولار ونصف الدولار«.

تشيـــر سيدة إلى أحد الأبنية التـــي تعرضت لرصاص المسلحين. تقول إن بيتها في احدى طبقاته، وإنه تعرض لضرر كبير. توجه كلامها إلى فريق المعارضة، غامزة من قناة »حزب الله«، وتقول: »من يريد أن يحمي سلاحه، فليرحل بعيدا من بيروت. نحن لا نريده ولا نريد سلاحه، فليرحل إلى الصحراء وليقاتل من يشاء«. وتستدرك: »لماذا يقاتلنا، هل وجهنا سلاحنا صوبه يوما؟ من أعطاه حق القتل والتدمير؟ هل صار أهل بيروت هم الإسرائيليون بنظره؟ وبيروت هل صارت تل أبيب؟ حرام عليه. نحن وقفنا في وجه إسرائيل قبل أن يظهر هو وحزبه. فليرحل عنا«. الحنق على المقاومة يقابله حنق كبير على الجيش هنا. وأقل ما سمعناه في هذا الإطار كان: »الجيش تركنا تحت رحمة المسلحين وقت المعارك«.

على تقاطع مسجد جامع عبدالناصر في اتجاه بربور، تتكثف رايات حركة »أمل« وصور بري وعبارات الولاء للمعارضة والتهديد لإسرائيل ولرئيس الحكومة فؤاد السنيورة. على مقربة من المدخل يقف شاب مع جهاز اتصال لا سلكي. الشاب، لم يبلغ العشرين، مقاتل من حركة »أمل«، كما يقول. ويروي الأحداث التي عاشها لحظة بلحظة: »التطورات بدأت على اثر تظاهرة الأربعاء. »المستقبل« رموا قنبلة على تظاهرة في كورنيش المزرعة وأصيب 5 بجروح. بدأ التشنج، وبعدما تحدث الزعماء وبدأ إطلاق الرصاص«. المنطقة شهدت بحسب الشاب معارك قوية دامت منذ السادسة مساء الخميس حتى السابعـــة صباح الجمعة. نسأله عن الحواجـــز والسلاح ورأيه في قتال ابن البلد، فيجــيب: »لم نقم حواجز هوية ولم نحتجز أحدا. لم يمدنا أحد بالسلاح، هو موجود دائما في المراكز. وأنا لم أشارك في إطلاق النار«. وإذا طلب منك ان تفعل؟ يجيب: »عندها لكل حادث حديث«.

يستفز السؤال رفيق الشاب، فيقول: »لا مشكلة عندي من أن أطلق النار على أحدهم. أنت لا تعرفينهم. هؤلاء باعونا لأميركا وإسرائيل، ويتعرضون لسلاح المقاومة. أنا مستعد لأن أقتل فداء للمشروع (شبكة الاتصالات)«.

من بربور إلى راس النبع، صور كثيرة للحريري وقد مزقت. وفي راس النبع ألصقت فوق بعضها صور للرئيس السوري بشار الأسد والرئيس اللبناني السابق اميل لحود. شارع محمد الحوت الذي شهد الاشتباكات الأعنف، مقفل أمام السيارات بأمر الجيش. على مدخله سيارات كثيرة مصابة باعيره نارية وزجاج متناثر على الأرض. يروي أحد أبناء المنطقة الأحداث الأخيرة، فيقول: »فجأة ظهروا على المداخل مدججين بالأسلحة«. يشير إلى أبنية مصابة بالرصاص وبقاذفات »ار بي جي«. ويضيف: »هنا كان مكتب تابع لتيار المستقبل. عندما هاجمنا المسلحون فر الحراس الأربعة الموجودون في المكتب، فاعتقلهم عناصر حركة »أمل« في نهاية الشارع. أطلق المسلحون الرصاص في الهواء ولم يتصدى لهم أحد. جالوا الطرق يشتمون الرجال، ويقولون إذا في رجال ينزلوا. جاري في البناية المقابلة رأيته يحمل سلاحا ويطلق النار على أبنية جيرانه«. وأضاف: »رأيتهم يطلقون النار على الجامع، هل كانوا يحررون فلسطين من الجامع؟ وعلى مدخل أحد الأبنية كتبوا: احذروا أيها السنة، »أمل« قادمة. هذا عيب«.

المنطقة صارت خالية من السيدات والبنات. يقول الراوي: »كانوا يتوعدون نساءنا، فأجليناهن إلى خارج بيروت«. يستطرد الراوي في الحديث عن أبناء المنطقة ومشاعر السخط والغضب التي تعتريهم: »دخلوا إلينا ليحاربوا إسرائيل في مناطقنا, إسرائيل لم تفعل بنا ما فعلوه هم. صحيح أن السياسة بلا دين، لكن هم أيضا بلا دين«.

يتحدث عن المسلحين اليوم، قائلا: »يجتازون حاجز الجيش ومسدساتهم على خصورهم، فلا يوجه الجنود إليهم أي كلمة اعتراض. وعند الظهر تصلهم وجبات الطعام من مطعم في الضاحية. كأنهم كانوا يقاتلون إسرائيل وتجب مكافأتهم«. يستفيض في الكلام عن »جبروت« المسلحين، ويروي حكاية محام ووالدته من آل طباره »بينما كانا يجتازان الشارع للهرب من المنطقة، أطلق المسلحون قذيفة »آر بي جي« في اتجاههم، فقضيا على الفور«، سائلا: »ما ذنب هذا الشاب ووالدته. هل كانت الحاجة ابنة الـ78 سنة تستهدف مشروع المقاومة وهي هاربة من المسلحين«. ويختم حديثه بالقول: »الحكاية لن تنتهي هنا. بالقلب ما رح تخلص«، ويضيف: »ديننا لا يسمح أن نكون اتباع اليهود أو الأميركيين أو نتعامل معهم، لكن ديننا أيضا لا يسمح لنا أن نوجه سلاحنا إلى صدور المسلمين. زرعوا في قلوبنا الكره والحقد وحرمونا النفس الحلو«.

في الزيدانية، لا تبدو الصورة افضل حالا. يصب صاحب أحد المحال التجارية جام غضبه على الجيش، متهما الجنود بأنهم »كانوا ينتظرون المسلحين خارج المكاتب إلى أن يفرغوا من التحقيق مع شبابنا وضربهم، بعدها كان الجيش يتسلمهم. ضاعت ثقتنا بالجيش«. يشير بإصبعه إلى زاوية حيث يجلس جنود من الجيش تحت راية لـ»حركة أمل«، ويقول: »منذ متى كان الجيش يرضى بأن يجلس عناصره تحت راية ميليشيا«.

بحسب التاجر، الأحداث التي مرت على الزيدانية، تشبه ما مر على مار الياس وراس النبع. غير أن خلاصته منها تبدو أكثر وضوحا: »قبل الأحداث كنت مع »حزب الله« حتى الموت. اليوم لم اعد أثق به. كان قائدهم يقول إنه لن يقوم بانقلاب ولن يوجه سلاحه إلى الداخل، وها هو فعلها. انظر إلى الحزب فلا أراه إلا ميليشيا مثل غيره، وإن كان اكثر قوة من الباقين«.

لا يبدو التاجر متفائلا بالمرحلة المقبلة على رغم الأنباء عن اتفاق وشيك، وغياب مظاهر الاستفزاز. ويقول: »مجرد وجود راياتهم مرفوعة في شوارعنا هو تحد لنا. كما أن سياراتهم تجوب شوارعنا كل يوم احتفالا بالنصر، كأنهم غزوا تل أبيب وليس بيروت«. ويشير إلى شجرة أمام محله، قائلا: »قطعوا أشجارنا وزرعوا عليها راياتهم. ألم ينتقدوا إسرائيل لقطعها أشجار الزيتون في فلسطين؟ الذي فعلوه ببيروت اكثر قسوة، لو يدركون«.



Sunday, May 11, 2008

لسنا بخير ... ماذا عنكم ؟

لبنان في نفق المحنة : لسنا بخير... ماذا عنكم ؟




منال أبو عبس
Al-Hayat (883 كلمة)
تاريخ النشر 11 مايو 2008

أنظر إلى الصورة المنشورة في الصفحة الأولى من « الحياة »، فلا أصدق. هل يجري هذا كله في عاصمتي بيروت؟ هل عاد الملثمون إليها؟ هل أحرقوا سيارات أهلها وبيوتهم؟ هل فعلا ينام ابني ويستيقظ على صوت الرصاص؟ هل يجري هذا كله وأنا عالقة في مطار فرانكفورت مع 13 زميلا صحافيا آخرين، وقد نفد تاريخ تأشيرات دخولنا جميعا إلى دول الاتحاد الأوروبي؟

أنظر إلى الصورة، وأقرأ في وجوه زملائي الخوف من مصير قذر يتقاذف بلدنا البعيد منا. 14 لبنانيا لكل منهم عائلة يعرف أنها لن تكون بخير ولبنان على شفير الهاوية. انظر إلى سلمان فأراه غارقا في عالم آخر. تقذفه الأفكار الشريرة إلى حيث زوجته وطفلاه عالقون في رأس النبع. منطقته المختلطة طائفيا تقع على حد السيف. ولا شيء يمكن لرب العائلة المعزول في قارة أخرى أن يفعله ليمسح الخوف عن عيني طفليه.

بسام أيضا يشعر بالخوف. بيته خارج بيروت الملتهبة، إلا أنه يعرف أن المنطق نبتة لا تنمو في أرض لبنان، وأن الجنون لن يهدأ قبل أن يقهر الجميع. أنظر إلى وجهه الذي تلون بأحمر الغيظ والغضب. وأتخيله يفكر بزوجته وأطفالهما الأربعة، وكم أن بلدنا ظالم في حق من أحبوه.

يتسع مطار فرانكفورت لنا جميعا. نضع حقائبنا الواحدة فوق الأخرى، ونجتمع في ركن منعزل كي لا نضيع بعضنا بعضا في المطار الكبير. صرنا لاجئين. ولم يبق في تأشيرة دخولنا الأوروبية إلا ساعات عدة. وأملنا بالعودة إلى بلدنا ومن نحب يبتعد مع كل خبر عاجل. هي بيروت تطعننا في القلب مرة جديدة.

يثقل المرض كاهل شحادة. مسكين. لم يكد يفرغ من ورشة عمل مكثفة جدا في برلين ولاهاي، حتى ارتفعت حرارته إلى درجة مقلقة. لشحاده أيضا ولدان صغيران، صبي وفتاة، كان قبل يوم واحد يسرق دقائق الفراغ ليشتري لهما هدايا تذكارية من الغربة. مسكين شحادة، يقلق على صغيريه وبلده، وتسرق منه مدينتنا المشتعلة حقه في أن نقلق عليه.

يعاند عباس أمامنا كي لا نرى القلق في عينيه. يجرب أن يقلب مسار القلق. لا يفلح. فالصدمة كبيرة والصور عاجلة عن بيروت تحترق... فتحرق القلب. عباس ينتظر مولودا بعد شهر ونصف. كان يخطط لإرسال زوجته إلى أميركا لتلد هناك، فتعود بجنسية أجنبية إلى شقيق ابنته الصغيرة. تقطيع أوصال بيروت وضواحيها افشل مخطط عباس وخططنا إلى العودة بهدايا تفرح قلوب أحبائنا في بيروت.

لم يسمح الوقت لعلي بأن يجلب لزوجته وابنيه هدايا كانوا طلبوها منه من برلين. قلق علي يختلف عن قلقنا جميعا، فزوجته وابناه يقيمان في الضاحية الجنوبية، ولا بوادر تشير إلى احتمال وصول الخطر إلى تلك المنطقة. غير أن الخوف يبقى جائزا. الخوف من بيروت التي تدهشنا كل مرة بقدرتها على جعل المستحيل أمرا محتما.

تنظر كلوديت في عيون الجميع واحدا تلو الآخر، فلا ترى فيها إلا احمرارا يدل على حنق العاجزين. طيب قلب كلوديت، لا تمل من مواساة الجميع. تتحدث كلوديت عن أشقائها وأصدقائها، ويبدو إحساسها أكيدا من أن هذه المرة الأحداث لن تطال محيطها.

من الصعب معرفة ما الذي يفكر فيه ادمون أو تيلدا وعصام. يسحب ادمون نفسه سرا من بيننا إلى ركن الهاتف العمومي. يعود إلينا بوجه أكثر احمرارا، ليقول إن الأخبار من بيروت سيئة، لكن لا جدوى من الغضب، لن نستطيع أن نوقف ما سيحدث. تيلدا تميل إلى الهدوء والابتسام، وعصام أيضا. طبع الأخيرين محبب وهدوءهما يترك من يجالسهما مرتاحا.

عمر عريس جديد، يتحدث كثيرا عن رغبته في إنجاب الكثير من الأطفال. الأخبار الواردة من بيروت، لا بد غيرت رأي عمر أو أجلت قراره لوقت طويل.

تتواصل الأخبار السيئة عن بيروت، ويتواصل حنقنا وغضبنا من عجزنا. عالقون في مطار كان يفترض أن نكون غادرناه صباحا إلى مطار بيروت. مطارنا مقفل الآن وليست لنا وجهة محددة، ولا بلد يمكن أن نغادرها الآن من دون تأشيرة. سمير (من مؤسسة فريديريتش ايبرت) ولين (من المركز الدولي للعدالة الانتقالية) يبذلان جهودا جبارة في تأمين وجهة. مسكينة لين بهمها المضاعف. قبل ساعات كان يفترض بزوجها أن يغادر إلى دبي، ويترك الطفلين مع والدتها. الزوج الآن عالق مع الولدين في السوديكو، والمنطقة المحيطة ببيتها تغلي بالمسلحين وأصوات الرصاص.

سمير أيضا مسكين. كان يفترض به أن يبقى في ألمانيا، ويلتقي أصدقاء كثرا. سمير الآن عالق في دوامة من الاتصالات لتامين نقلنا من ألمانيا، وللاطمئنان الى سلامة أولاده في لبنان.

انظر إلى وجوه الجميع ولا أشعر إلا بضباب داخل رأسي. أفكر في جاد الذي ينتظر مني هدية في مناسبة بلوغه العامين بعد أيام، وفي جهاد العالق في جريدة »السفير« وفي أمي وأبي. أحس بسهم من نار يخترق ضلوعي. كثيرة هذه الصور على بيروت. كثير هذا الدخان وهذه النار وهذا الكره يروي قلوب المراهقين الملثمين.

أفكر في هذا كله. وأبكي حتى أكاد اختنق.

بعد ساعات قليلة ننتقل جميعا إلى قبرص، حيث أقام من أراد منا في فندق حجزه لنا النائب سعد الحريري. قرب المسافة بين بيروت وقبرص لم يرو قلوبنا. نتحدث كثيرا عن أمنيتنا لو نذهب سباحة إلى بيروت، عاصمتنا الغالية. ننظر نحو البحر ونتمنى لو يلوح لنا من بعيد أحباء نشتاق إليهم، وننتظر بلا جدوى أن تفلح اتصالاتنا في الوصول إلى باخرة ترمينا على أي شاطئ من شواطئ بيروت.

يصلني صوت جاد عبر الهاتف. يتحدث بلغة لا أفهمها، لكن خالته تفسر أنه عائد للتو من مدخل البناية، حيث التقى عسكريين صاروا رفاقه. اسمع صوت الرصاص بوضوح عبر الهاتف، فيغلبني البكاء. لم أرده يوما أن يسمع صوت بكائي ولا صوت الرصاص. مسكين حبيبي جاد. لو كنت هناك ربما لجنبته سماع صوت الرصاص. لحملت صورا كثيرة احتفظ بها في غرفتي وذهبت إلى المسلحين الملثمين. لطلبت منهم أن ينظروا جيدا في الخوف المرسوم في عيون من في الصور وفي رائحة الدمار والدماء. ثم لطلبت منهم أن يقرأوا الأرقام الكبيرة للقتلى والمفقودين أسفلها. ولأخبرتهم كثيرا عن الذنب الذي سيرتكبونه وعن عذاب الضمير. لأخبرتهم أشياء كثيرة، ولاعتذرت باسمهم من بيروت، عاصمتي الغالية.

Monday, April 14, 2008

اللبنانيون يسترجعون الصور المرعبة للحرب الأهلية

جمعيات أهلية أحيت الذكرى 33 لمواجهات حصدت عشرات الآلاف
 اللبنانيون يسترجعون الصور المرعبة للحرب الأهلية


منال أبو عبس
Al-Hayat (822 كلمة)
تاريخ النشر 14 أبريل 2008


في مثل هذا اليوم قبل 33 سنة، وقع اللبنانيون في مصيدة الحماقة الكبرى. زهقت حربهم الأهلية بما فيها الاجتياح الإسرائيلي أرواح نحو مئة ألف شخص. وكبدت آخرين جروحا وإعاقات، واقتطعت من الحيوات 15 عاما لتكون محطات متتالية للرعب والتهجير والدمار.

أمس، استعرضت اكثر من جمعية ومنظمة واتحاد مشاهد من الذكرى المرعبة. استرجعت بعضا من صورها الكريهة، وألقتها عنوة أمام الأبصار ليتعظ من لم تعظه كل المرارات السابقة. بدت كمن تقول له: أن تجرب، فلن تجني إلا مزيدا من النار والقهر بين الضلوع. على مسالك خطوط التماس الجديدة (الفاصلة بين مناطق الأكثرية والمعارضة وشهدت اخيرا مواجهات بين الفريقين)، سار شبان وشابات من »الاتحاد الديموقراطي اللبناني« رافعين أعلام لبنان ومرددين أغاني السلام. وفي شوارع بيروت نظم شبان »نحنا كلنا« مسيرات سيارة ووزعوا منشورات تكشف الأسباب الحقيقية للحرب الأهلية، تحت شعار: »خدلك موقف... كبر عقلك«. وعلى مفارق مختلفة من بيروت اختارت فرق أخرى إحياء الذكرى المرعبة بمسيرات أو ندوات وحوارات في مناطق محددة.

من بين التحركات الكثيرة، واحد نفذته نحو 40 جمعية من مختلف تيارات المجتمع المدني. سلك نحو ألفي شخص خط التماس القديم - طريق مار مخايل الشياح وصولا إلى وسط بيروت- مطلقين حملة »وحدتنا خلاصنا«، تحت شعار »مسيرة مصالحة«. تقدم حملة الرايات السود وأعلام لبنان المسيرة. وساروا بمحاذاة عدد من أبنية زمن الحرب في الشياح وعين الرمانة. منظر الأبنية المتهالكة ما زال مرعبا. جدرانها ازدادت سوادا وإن نبت عليها النبات المغلف برائحة العفن. على أحد هذه الأبنية علقت صورة كبيرة لبوسطة كانت متراسا على خط راس النبع عام 1982، ولشخصين يملآن أكياس الرمل ترد الرصاص المنطلق من ناحية »العدو« اللبناني الموالي لميليشيا منافسة. على تقاطع الشياح - عين الرمانة عادت أكياس الرمل اليوم. خلفها يرابط عدد من عناصر الجيش اللبناني المتأهبين لفض الإشكالات المتكررة منذ انتهاء الحرب في المنطقة التي شهدت انطلاقة الحرب السابقة.

تتراوح أعمار المشاركين في مسيرة المصالحة بين الأطفال الرضع والعجائز الذين أرهقت كواهلهم تركة الحرب السابقة. يطغى على لباسهم اللون الأبيض وشعار الحملة. بين هؤلاء تقف آية. لا تعرف ابنة السنوات الست سبب قدومها للسير بين هذا الجمع. تعيد بصوت خافت ما تلقنها إياه والدتها: »يكفينا حروبا. اتركونا نعيش بسلام، وخذوا حروبكم بعيدا منا«.

على مقربة من آية تقف روعة المنتسبة إلى إحدى جمعيات المجتمع المدني في باب التبانة في شمال لبنان. تقول روعة إنها جاءت مع نحو مئة شخص من أنصار الجمعية ومستقلين، لتوصل رسالة إلى من يفكرون بارتكاب حماقة جديدة، بأنهم لن يجنوا إلا الويلات والخراب والموت. إلى كلام روعة تضيف ناريمان التي ولدت بعد الحرب الأهلية أن »علينا أن نوجد أملا جديدا. أن نوصل الرسالة إلى العالم كله بأننا لا نستهوي الحرب«. تضحك روعة وصديقتها من احتمال مقارنة تحركهم مع التظاهرات المليونية المتكاثرة اخيرا، وتقول الأولى: »حتما رسالتنا ستصل أسرع، فنحن لسنا هنا لنفدي أحدا بالأرواح والأولاد، بل لنوصل رسالة سلام«.

تسلك المسيرة طريق صيدا القديمة - مستديرة الطيونة، وقد زينت بلافتة كبيرة. »17356 مخطوفا... مش مستعدين نعيدها«، كتب على اللافتة. بجانب الرقم المرعب صفت صور بالأبيض والأسود لشبان ورجال، خرجوا في أيام من الحرب الطويلة وما رجعوا.

فيروز سليم هي واحدة من المعنيين بالرقم المرعب. لا تتعب السيدة التي تجاوزت الستين من تكرار الحكاية نفسها أمام كل مصور وصحافي يقصدها. ترفع أمامه صورا شمسية لخمسة شبان هم أبناؤها اكرم ومحمد وجهاد ونضال ووالدهم شوكت سليم. وتقرب الصور ما استطاعت من عدسات المصورين، علها تلتقط الملامح، فيعود إليها من خسرتهم على حاجز في جبل لبنان في 18 أيلول (سبتمبر) 1982. آنذاك أوقف عناصر الحاجز السيارة وابعدوا فيروز وبناتها الثلاثة مع أخيهم الأصغر، ليرموهم على حاجز في شمال البلاد لاحقا. ولم يرجع الشبان الأربعة. »من 25 سنة ما ارتحت«، تقول وتضيف: »لا أريد من أحد شيئا. فليخبروني أين هم وأنا بنفسي سأعيدهم، ولن أطلب شيئا في المقابل«. تمسح بمنديلها الأسود عينيها المبللتين، لتعود فتطيل النظر في صور خسارتها الكبيرة، والتي أثقلتها خسارة ابنها الأصغر وزوجته في حادث سير قبل ثلاث سنوات تاركا لها أطفاله الثلاثة. أمام فيروز تسير حاجة بلباس أسود، وإلى صدرها صورة ابنها المفقود سعد الدين الهرباوي. يغطي صراخها على عزف الفرق الكشاف المشاركة. »يا ويلي. أنا أم مخطوف«، تقول وتغرق في نوبة بكاء جديدة. تهتز العكازة التي تعينها على السير، وتصرخ: »يا أمي«، فتنقبض مع سماعها قلوب كثيرة.

أمام أمهات المخطوفين، يرفع مراهقون زميلهم على حمالة وقد غطى وجهه بقماش ابيض مبلول بسائل أحمر. ملابس الشبان أيضا ملونة بالسائل الأحمر نفسه، هو الدم الذي سيسيل مع أي حرب.

يعبر المشاركون طريق المتحف. وتحت نفق المزرعة، يستبدلون الرايات السود بأخرى بيض. يسلكون مناطق راس النبع وبشارة الخوري، ترافقهم الأناشيد الكشفية وقرع الطبول, وتحيط بهم اللافتات والصور المستعادة من الحرب، وعدد من عناصر القوى الأمنية.

في وسط بيروت، كانت المحطة الأخيرة لرافضي الحرب. هناك اجتازوا اعتصام المعارضة اللبنانية. مروا بالخيم الفارغة من روادها، وعناصر الانضباط الحزبيين. وفتحت من الليلة السابقة المساحة الفاصلة بين ساحة الشهداء، وساحة اللعازارية المفصولتين بأسلاك شائكة منذ اعتصام المعارضة. هناك وضع مسرح كبير خصص لندوات الإعلاميين ولنشاطات متفرقة.ومع بداية المساء تلا المشاركون دعاء مشتركا مع ممثلي الطوائف اللبنانية، وأطلقوا مشروع مصالحة بين أطراف الحرب الأهلية، وزرعوا شجرة زيتون في ما أسموها »حديقة السماح«.

أمس، خصص جزء من اللبنانيين يومهم لاستعادة مشاهد قاسية لم تنسها مخيلة من عايشها بعد. لم يعشها، لكنه أعلن مسبقا رفضه لها. طعمها لن يكون إلا مرا.

Saturday, March 15, 2008

نجاحات 14 آذار وإخفاقاتها

لبنان : قوى 14 آذار تعدد نجاحاتها وإخفاقاتها
وتتمسك بالمبادرة العربية وترشيح سليمان


منال أبو عبس
Al-Hayat (853 كلمة)
تاريخ النشر 15 مارس 2008
حددت قوى 14 آذار (مارس) أمس، وفي ذكرى مرور ثلاث سنوات على التظاهرة التي أخذت اسمها منها، موقفها من مختلف القضايا السياسية والوطنية اللبنانية ورؤيتها المستقبلية للوضع بعلاقاته الداخلية وارتباطاته الاقليمية، وذلك في الوثيقة السياسية لمؤتمرها الأول الذي عقدته في قاعة البيال في بيروت أمس.

ويعتبر اللقاء الذي اقتصر الحضور فيه على المدعوين ببطاقات وزعت سلفا (3500 بطاقة)، هو الأول الذي يجمع قادة من 14 آذار بجمهورهم من دون أن تكون المناسبة تشييع شهيد من صفوفها أو الاحتفال بذكرى شهيد آخر، إنما الإعلان عن خريطة الطريق السياسية للقوى في الفترة اللاحقة، في حضور أرامل الشهداء الذين سقطوا على مدى السنوات الثلاث الفائتة وأبنائهم وأقاربهم. وحفلت كلمات المشاركين بطابع من التقويم الذاتي والنقدي، وصل إلى حد تعداد النجاحات والاخفاقات التي منيت بها القوى في مراحل من مسيرتها، الأمر الذي بدا وكأنه مشروع لاستنهاض همة »ثورة الأرز« وجمهورها استعدادا لاستحقاقات مقبلة.

وكانت الاستعدادات للمؤتمر انطلقت منذ الإعلان عنه مطلع الأسبوع. ولفت جدران قاعة بيال بصور شهداء قوى 14 آذار، ومعهم مدير غرفة العمليات في الجيش اللبناني اللواء الركن الشهيد فرنسوا الحاج ورئيس الفرع الفني في شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي الرائد الشهيد وسام عيد، من دون أن يغفل الملصق الضخم أسماء المرافقين والضحايا المدنيين الذين سقطوا في كل التفجيرات. وسلط الضوء في الجدار الخلفي للمتحدثين على رسم لقبضة يد بيضاء تحمل سنبلة لونها أخضر، هو شعار المؤتمر. كما برزت على الجدران المقابلة شاشات كبيرة ظلت تبث صورا مستعادة من تظاهرة 14 آذار 2005، بلافتاتها التي كانت تحمل مطالب »ثوار« تلك الفترة: الخروج السوري من لبنان وسقوط حكومة الرئيس عمر كرامي واستقالة قادة الأجهزة الأمنية (موقوفون حاليا في إطار التحقيقات في جريمة اغتيال الرئيس الحريري).

< في الصف الأول جلس قادة من قوى 14 آذار، موشحين بشعار »ثورة الأرز« الأبيض والأحمر، يتقدمهم الرئيس السابق أمين الجميل ورئيس »اللقاء النيابي الديموقراطي« وليد جنبلاط ووزراء الأكثرية وعدد من نوابها ونواب سابقون والقائمة بالأعمال الأميركية ميشال سيسون التي قوبل دخولها بموجة تصفيق طويلة. كما حضر عدد كبير من الشخصيات السياسية والدينية والإعلامية والثقافية.

وبدأ المؤتمر، بكلمة عضو كتلة »المستقبل« النائب سمير الجسر الذي استعرض منجزات »ثورة الأرز« وإخفاقاتها، معتبرا أن »الثورة لا حظ لها في التقدم إلا من خلال رؤية تراعي الواقع اللبناني ومستقبله«.

وقال الجسر: »نكبنا بالشهداء وبدرب الشهادة الذي أعاق تحرك الكثير من قياداتنا، لقد فشلنا في بسط سلطة الدولة على كامل التراب اللبناني، ولا تزال هنا وهناك مربعات أمنية خارج ســلطتها. لم نســتعد كامل مؤسسات الدولة التي ما زال الكثير منها لا يعمل للمصلحة العامة ولكل المواطنين، لم ننجح في تــلبية حاجات الناس المطلبية والاجتماعية والاقتصادية التي وعــدنا بها ولم ننجح في توفير الاســتقرار الــسياسي الذي هو أساس لكل اسـتقرار اقـتـصـادي واجـتماعي ولم ننجح في إنــقاذ الجمهورية بــانتخاب رئيــس لها«.

وأضاف الجسر: »لكننا مع ذلك، وعلى رغم كل الظروف الدولية والإقليمية الضاغطة، نجحنا في أمور كثيرة، نجحنا في إخراج نظام الوصاية وفي إجراء انتخابات حرة للمرة الأولى بعد انتهاء الحرب الأهلية، وتأليف حكومة يكفيها أنها قاومت على المستويين الخارجي والداخلي كل ما يتهدد الوطن، وفي استعادة ثقة العالم بنا، وفي إقرار التحقيق الدولي، وفي إقرار المحكمة الدولية، وفي عقد باريس ?3 بكل مقرراته، وفي وقف العدوان على لبنان عام 2006 وإشراك المجتمع الدولي في توفير الحماية للبنان من خلال القرار 1701 الذي شارك فيه كل اللبنانيين، وفي توفير التضامن الداخلي والوحدة الوطنية في مواجهة إسرائيل، وفي عدم الرضوخ ومنع إسقاط الحكومة في الشارع على رغم كل الــتهويل، وفــي تأمين استمرار عمل المؤسســات على رغم خلو سدة الرئاسة، وفي الحفاظ على ثقة الناس التي عبر عنها مشهد 14 شباط (فبراير) في ســاحة الــحرية، ونــجحنا أكـثر في انتـزاع إعـجاب العـالم وتـأييـده«.

واعتبر الجسر أن هناك »فرصة كبيرة لإنقاذ لبنان إذا ما عرفنا كيف نحدد الأهداف«. وحدد »المعوقات في وجه قيام الوطن«، داعيا الى معالجتها ومنها: »عدم تطبيق اتفاق الطائف الذي يجب أن ينفذ وفق جدول زمني، ومشروع الدولة الذي هناك إشكالية حوله بأبعاد كثيرة أخطرها البعد الذي نشأ في ظروف العمل المقاوم والذي أنتج مربعات أمنية وأورث دويلة ضمن الدولة تستفرد بقرار الحرب والسلم دون الدولة ولا تقل خطرا عن ذلك الثقافة العشائرية والمناطقية المتجذرة في كل المجتمع اللبناني والتي تشكل خطرا دائما وداهما على الدولة، وإشكالية الطائفية والمذهبية وهي المرض العضال الذي يتهدد الدولة في الحاضر والمستقبل، وإشكالية الديموقراطية التي لها قيم وأبعاد تعزز مساواة الجميع أمام القانون، إن إقرار الديموقراطية التوافقية مرحلة انتقالية لا يخرج في تطبيقاته عن التصويت بالأكثرية أو بأكثرية موصوفة وإلا أدخلنا البلد في أتون اللااستقرار السياسي الى ما لا نهاية، وإشكالية مفهوم الحرية... وللحرية حدود يجب احترامها بكل ما يلامس حقوق الآخرين ومشاعرهم واحتلال الساحات العامة والشوارع وتعطيلها والتأثير في اقتصاديات البلد أو جزء منه ليس ضربا من الحرية بل اعتداء عليها وإشكالية العدالة، والمساءلة هي الأساس في تحقيق العدل والمساواة بين الناس...

وأكد أن عدم انتخاب العماد ميشال سليمان لا مبرر له سوى الرغبة في الانقضاض على الدولة، معتبرا أن الحل يكون بالتدرج في تنفيذ المبادرة العربية. وشدد على التمسك بالمحكمة الدولية.

وتناوب على شرح عناوين اللقاءات والورش التي سيتضمنها المؤتمر ممثلون عن قوى منضوية في 14 آذار.

وأطلع ممثل حركة »التجدد الديموقراطي« أنطوان حداد الحاضرين على العناوين العريضة لورش العمل بينما تحدث ممثل الحزب التقدمي الاشتراكي ريان الأشقر عن مؤتمر الشباب الذي سيقعد في الأسابيع المقبلة، اما ممثلا »القوات اللبنانية« أدي أبي اللمع و »الكتائب« ميشال مكتف فتحدثا عن مؤتمر الاغتراب والانتشار الذي سيحدد تاريخه لاحقا بالاتفاق مع المغتربين بهدف تفعيل مشاركتهم في الحياة السياسية اللبنانية.