Tuesday, February 19, 2008

خطوط التماس الوهمية تقطع قلب بيروت

خطوط التماس الوهمية تتلوى في قلب بيروت... وتقطعه


منال أبو عبس
Al-Hayat (729 كلمة)
تاريخ النشر 19 فبراير 2008

لم تغادر صور الحرب الأهلية ذاكرة اللبنانيين بعد. عباراتها القاسية لم تهجر قاموسهم. « خطوط تماس » الحرب تطل برأسها من جديد. الأحاديث عن »ميليشياتها« و »مسلحيها الملثمين« عادت بعد سنوات طويلة، تقيم على الأنفس حد السيف.

في بيروت، تغيرت المواقع كثيرا بين الأمس واليوم. عبارة مثل »الشرقية والغربية« الشهيرة ما عادت تدب الرعب في العروق. خطوط التماس الجديدة صارت تمر في قلب العاصمة وتقطعه. تقسم جانبي الشوارع وطبقات المباني. هي خطوط غير مرئية، تتلوى كأفعى بين الأحياء بحسب انتماء القاطنين فيها الى هذا المذهب او ذاك. أحداث السبت الفائت، كما الأحداث التي تنفجر مع المناسبات وارتفاع التوتر، تحول هذه الخطوط الوهمية واقعا. ينشر الجيش اللبناني جنوده وآلياته بالعشرات فاصلا بين »المقاتلين«. ومن تجول ليل السبت الفائت في الشوارع راعه هذا العدد الكبير من الحواجز والملالات، غير أنه لا بد يشعر بإطمئنان لأن جهة مسؤولة ما زالت تحفظ أمن المدينة، بعكس أيام الحرب المشؤومة.

قلل الجيش اللبناني، بدءا من يوم أمس، عديده المستنفر في الطرقات، وعادت الحياة الى طبيعتها، تحت طقس عاصف بات على ما يبدو المؤشر الوحيد الى حسن حظ اللبنانيين هذه الايام لأنه سيمنع الشبان من الأطراف المتخاصمة من التعارك.

فتحت المحال التجارية. لكن الخطوط ما زالت موجودة. وهي تحز في النفوس. تميز بين هويتي بائع الخضار وصاحب محل الخبز المجاور: الأول يفدي »حزب الله« بروحه، والثاني يبايع »الشيخ سعد الحريري« بدمه. الأول يرفع في محله صورة للامين العام للحزب السيد حسن نصر الله، شاهرا إصبعه في وجه من يفترض أنه الطرف الآخر، ويتوعد: »أي يد ستمتد إلى سلاح المقاومة، يد إسرائيلية سنقطعها«. وعلى ماكينة المحاسبة عند الثاني صورة للرئيس الشهيد رفيق الحريري وابنه سعد، وعليها: »الله يحميك يا شيخنا«.

الانقسام يقطع قلب العاصمة، وطوائفها ومذاهبها. دائرته ضاقت كثيرا. صاحب محل الألبسة على مشارف حي اللجا يقول إنه ما شعر يوما بخوف يماثل خوفه الآن من »المجهول«. محله يقع في نقطة تشهد كل فترة اشكالات بين أبناء الحي، وغالبيتهم توالي »حركة أمل« و »حزب الله«، وبين شارع مار الياس التجاري وامتداداته حيث النفوذ الواسع لـ »تيار المستقبل« والحزب التقدمي الاشتراكي. في الاشكالات الأخيرة، لم يتعرض المحل أو أي من الأخرى المجاورة له للأذى. لكن، من يضمن ألا يكون الآتي أعظم؟ »اليوم لم تفلح الاشاعات بأن شباب حي اللجا يتعرضون للمارة من أنصار المستقبل، في جعل شبان المستقبل ينزلون إلى الشارع ويقومون بالمثل، في الاشكالات المقبلة من يضمن ألا تفلح الشائعات؟«، يقول متوقعا أن تشهد الأيام المقبلة أحداثا مماثلة، فـ »الشباب قلوبهم ملآنة حقدا على بعضهم بعضا«.

في تقاطع كورنيش المزرعة الذي يصل الطريق الجديدة ببربور تبدو الصورة أكثر تعبيرا: لافتات وصور شهرت متقابلة تأكيدا للاختلاف في الهوية والانتماء. من جهة الطريق الجديدة، تتكثف صور الرئيس الحريري ونجله واعلام »تيار المستقبل« وشعارات »الحقيقة« الزرقاء. كما ترفع صورة من وحي عيد الحب، ترسم قلبا في جانب منه صورة الرئيس الحريري، وفي الجانب الآخر المفتي الشهيد حسن خالد، ويخترق القلب سهم يبدأ في 16 أيار (مايو) 1989 وينتهي في 14 شباط (فبراير) 2005، وعبارة: »قلب العروبة الدامي«.

في المقلب الآخر من التقاطع، حيث بداية شارع بربور تبدو الهوية أيضا مشهورة للعيان. على أعمدة الكهرباء والجدران ترتفع أعلام سود لـ »حركة أمل«، وصور كثيرة للإمام المغيب موسى الصدر.

عبارات مثل: »هيهات منا الذلة«، و »القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة«، تكثر هنا، وتطبع المنطقة بطابع النقيض مع المقلب الآخر. في العادة تبدأ الشرارات عند الكورنيش الفاصل بين الجهتين. وغالبا، يتهم طرف من الاثنين خصمه بأنه كان البادئ بالهجوم على منطقته، فاضطر الى الرد ليحمي »المنطقة«.

من بربور إلى البسطة، حيث الاشكالات المتجددة، تنتشر لافتات وشعارات وصور زعماء الطرفين. أمام تعاونية البسطة ترتفع صورة كبيرة لرباعي المعارضة: رئيس المجلس النيابي نبيه بري والسيد نصر الله ورئيس تكتل »التغيير والإصلاح« ميشال عون والوزير السابق سليمان فرنجية. لافتة: »لا للفتنة بين المسلمين«، تقابل الشعارات المتناقضة، ولا تجد صداها في أي من طرفي الصراع. فـ »من ينزل إلى الشارع لا يهمه كثيرا الوحدة بين المسلمين، هؤلاء زعران من الفريقين«، بحسب توصيف مريم، وهي سيدة في العقد السادس من العمر، تقطن في البسطة الفوقا منذ »سنوات لم أعد أتذكر عددها«. لا تلبث مريم أن تبدي ارتياحا إلى ما أفيد عن اتفاق على إجراءات تتخذها الأطراف المعنية (حركة »امل« و »حزب الله« و »تيار المستقبل«) للحد من المواجهات بين أنصارها.

في فضاء البسطة تلوح أعلام »حزب الله« إلى جانب صور نصر الله وعلى أرضها يقف عناصر الجيش المنتشرون تحت المطر في يوم بيروت العاصف.

في شارع محمد الحوت في رأس النبع ترتفع لافتة عليها: »الشارع بالشارع والمهرجان بالمهرجان والتعبئة بالتعبئة والبادي أظلم«. لا تحمل اللافتة توقيع أي من أحزاب الفريقين المتخاصمين، فتبدو كأنها عنصر الإجماع النابض في قلب العاصمة المنقسمة على الخوف.

Monday, February 18, 2008

ليلة الاشتباكات الطويلة

عن ليلة الاشتباكات الطويلة ... والمسالك الآمنة قليلة


منال أبو عبس
Al-Hayat (610 كلمة)
تاريخ النشر 18 فبراير 2008


ترن الهواتف الخليوية واحدا تلو الآخر. تتبدل ملامح أكثر من وجه دفعة واحدة. وترتفع عبارات استهجان كثيرة، ترافق أسئلة من نوع: »شو ولعت«؟ باللبنانية العامية، والتي تعني: »هل انطلقت شرارة الحرب« بالعربية الفصحى.

يتوالى رنين الهواتف، وتتوالى الأنباء عن اشتباكات متنقلة. رأس النبع ثم البسطة وبربور وحي اللجا ومار الياس. الأخبار المتناقلة تفيد بأن لا مسالك آمنة لمن أراد مغادرة منطقة الحمرا منتصف ليل أول من أمس. والمقهى المكتظ بالزبائن كعادته في كل نهاية أسبوع، متمسك بقراره الملصق على الحائط: »الحكي أحلى، بلا سياسة«. وهو في هذه الحال يعني أن لا قرار يسمح بمشاهدة قنوات الأخبار، بدلا من المباراة الودية بين فريقين من المقلب الآخر من الكرة الأرضية.

»عم يحرقوا محلات ببربور يا شباب«، تقول آخر الأخبار الخليوية. تقع العبارة كالصاعقة على الوجوه. ويفعل الخوف فعل النقر في العظام. الخوف من التبدل الطارئ على قواعد الشغب شبه اليومي، يضع الآن بيوت أيا كان ومصالحه في دائرة الاستهداف. فالشغب بين أنصار الأكثرية وبالأخص »تيار المستقبل« والمعارضة وبالأخص »حزب الله« وحركة »أمل«، وصل إلى حد الأذى في الأملاك الخاصة. وأصحاب المحلات في بربور ليسوا من فريق واحد ولا طائفة واحدة، مثلهم مثل اصحاب الأملاك في بقية مناطق بيروت التي يستحيل الفرز بين جمهور الفريقين فيها.

الخبر الخليوي التالي يقول إن »المسلحين خرجوا من حي اللجا، وقطعوا شارع مار الياس، وهم الآن يتعرضون للمارة من الفريق الأخر«. الخطر إذا يقترب وتتوسع دائرته. يفرغ المقهى المكتظ من زبائنه. وتعلو همسات الأسئلة عن كيفية الوصول إلى منطقة معينة من دون المرور بـ«مناطق الصراع«. المسلك الآمن لن يتوافر للجميع. الاشتباكات تضرب في مناطق لا يمكن الالتفاف عليها جميعها، كما أنها تمتد في اتجاه مناطق أخرى بسرعة. قرار »البقاء حيث أنت«، يقال أنه الأنسب في أحوال كهذه. السكون أفضل من التجول في شوارع بيروت. لكن، المقهى صار شبه فارغ، ومباراة كرة القدم بين فريقي آخر الدنيا لم تنته بعد.

شارع الحمراء أيضا صار خاليا. لا زحمة سيارات ولا عجقة شبان وشابات، كما في كل نهاية أسبوع. والبعض قرر مغادرة بيروت ليلا إلى فنادق مناطق آمنة في جبل لبنان وغيرها، أو إلى منازل أقارب وأصحاب تيسر الوصول إليهم.

الاشتباكات ألقت بظلالها على شوارع بيروت غير المشمولة بـ »الصراع« وأفرغتها زحمتها. كورنيش البحر يشكل مخرجا من وحشة الحمراء. الساعة تجاوزت منتصف الليل، وجولة بجانب البحر قد تنقي الرأس من أفكار سود تقرع طبولها فيه. لكن، لم يسبق أن كان البحر موحشا، كما بدا ليل أول من أمس. لا سيارات على الجوانب، ورافعة قوى الأمن الداخلي تجول الشارع مطلقة صفاراتها وإشاراتها الضوئية في مشهد يذكر بأن ثمة حربا تدور في شوارع في جانب آخر من بيروت. ممنوع أن تبيت السيارات ليلتها على رصيف الكورنيش، يأمر الصوت الآتي من الرافعة.

حسنا، لن تبيت السيارة ليلتها بجانب الرصيف. فالأخبار الخليوية تقول إن الاشتباكات طوقت وانتهت، وإن الجيش منتشر على الطرق، ما يعني أن العودة إلى المنزل صارت ممكنة.

يدخل الهواء باردا من نافذة السيارة وهي تجول طرق بيروت فجر أمس. تمر السيارة بمستوعبات النفايات المقلوبة في عائشة بكار. تمر بعصي الخشب والحجارة والمستوعبات في مار الياس وبالأسلاك الشائكة التي نصبت في أكثر من شارع. تمر بعناصر مكافحة الشغب يشكلون سدين منيعين متقابلين يمنع التقاء شبان الطريق الجديدة وبربور أمام جامع عبد الناصر، وبحطام السيارات والمحلات المحترقة في البربير. وتمر بالحواجز الحديد التي تجبر السيارات على لــعب »الزيك زاك« لاجتيازها في المتحف والصــنائع وقرب دار الــفتوى.

تمر السيارة بالبسطة التي تعج بعناصر الجيش وبشارة الخوري لتصل إلى الخندق الغميق. هنا صورة الدبابات والعسكر والركام ومستوعبات النفايات تفوق ما يمكن وصفه باشكالات بين شبان.

هنا يقف جنود كثر بسترات واقية من الرصاص. يتجه أربعة منهم في اتجاه السيارة. يقف اثنان أمامها لمنعها من التقدم، ويتوجه آخران في اتجاه السائق لتفتيش السيارة.

العاصفة التي وعدت مصلحة الأرصاد الجوية بها، لم تصل بعد. العاصفة الأخرى وصلت قبلا. عاثت في الأرض فسادا، وأيقظت في النفوس خوفا موجعا من انفجار تختبئ منه المدينة خلف شــوارعها وأزقتها.

Friday, February 15, 2008

تشييع عماد مغنية. وغضب الضاحية

«حزب الله» يشيع الشهيد عماد مغنية بحزن وغضب في ضاحية بيروت الجنوبية


منال أبو عبس
Al-Hayat (613 كلمة)
تاريخ النشر 15 فبراير 2008


شيع « حزب الله » أمس في مجمع سيد الشهداء في الضاحية الجنوبية لبيروت، أحد أبرز قادته العسكريين والأمنيين عماد مغنية المعروف بـ« الحاج رضوان » الذي كان اغتيل في دمشق بتفجير سيارته ليل الثلثاء - الأربعاء.

وعند الثالثة والنصف عصرا، خرج نعش مغنية ملفوفا بعلم الحزب الأصفر ومحمولا على أكف شبان من »حزب الله« من المجمع، في اتجاه مثواه الأخير في مدافن روضة الشهيدين. غص صوت مقرئ مجلس العزاء، وهو يردد بحزن: »حاج رضوان، شهادة مباركة. حاج رضوان، في أمان الله يا حبيب«. وبينما الأيدي تلوح للنعش مودعة، ارتفع نحيب النسوة المتشحات بالأسود، وغابت وجوه رجال كثر تحت أكف أيديهم. واهتزت الأجساد على وقع بكاء الرجال.

في تشييع عماد مغنية بكى الرجال وانتحبت النسوة. وعلى وقع هتافات »الموت لأمريكا. الموت لإسرائيل«، وهتافات »لبيك يا نصر الله« و »لا اله إلا الله، والشهيد حبيب الله«، سار الآلاف من أنصار »حزب الله« في وداع قائد ما عرفوا صورته إلا بعد مماته.

في هدوء يشبه البكاء همسا، رحل مغنية إلى روضة الشهيدين شهيدا جديدا، محاطا بمن أحبوه.

لكن، قبل رحلته الأخيرة، ولساعات عدة، كان نعش مغنية مسجى على المنصة داخل قاعة المجمع. في اتجاه النعش، تسمرت أنظار المعزين، وأمامهم مباشرة صورة غير منشورة لمغنية بلباس المعركة، وتظهر رأسه من ناحية الجانب. المنصة كما القاعة وخارجها تحت حراسة عناصر أمن »حزب الله« المتشحين بالأسود حتى القبعات، والذين تولوا أيضا تأمين حضور الرجال والنساء في ركنين مفصولين.

أسفل المنصة، وفي مواجهة الحشد، جلس فايز مغنية والد الشهيد إلى جانب المقربين وأعضاء من المكتب السياسي لـ »حزب الله« ونائب الأمين العام لـ »الحزب« الشيخ نعيم قاسم ورئيس كتلة »الوفاء للمقاومة« النيابية محمد رعد وممثل رئيس المجلس النيابي نبيه بري النائب علي حسن خليل وشخصيات كثيرة يتقبلون التبريكات. إلى هؤلاء انضم أيضا، وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي على رأس وفد من الجمهورية الإسلامية. في وسط الصف الذي يضم هؤلاء وأمام النعش مباشرة جلس مسؤول العلاقات الخارجية في الحزب نواف الموسوي، وأمامه مباشرة يقف أربعة من رجال الأمن في الحزب يحجبون الرؤية عن الكرسيين الملاصقين لكرسيه، حيث ولدا مغنية مصطفى وجهاد.

في هذه القاعة كان الصمت مطبقا. لا يقطعه إلا صوت نحيب أو همس بكاء. صمت يخرقه طلب لأحدهم: »صلوا على النبي«. هنا يقف الجميع دفعة واحدة، ويرتفع الصوت: »اللهم صلى على محمد وآل محمد«. القبضات أيضا، سترتفع في وقت لاحق. خلال خطاب الأمين العام لـ »حزب الله« السيد حسن نصر الله المنقول على شاشة كبيرة ارتفعت أكثر من مرة. وترافقت مع عبارات: »لبيك يا نصر الله«.

يقول السيد عبارة معناها إن »موت مغنية يجعل العد لبدء زوال إسرائيل يبدأ«. العبارة الأخيرة تقع على الحاضرين وقوع كلمة سر، فيقف الجميع دفعة واحدة، وترتفع القبضات عاليا، والهتافات: »لبيك يا نصر الله«.

كلمة السيد لا تستغرق وقتا طويلا، غير أن فيها وعدا بأنه سيتحدث لاحقا عن من هو عماد مغنية. تبدأ مراسم الصلاة على جثمان الشهيد. تعزف فرقة الكشافة نشيد الموت ثم نشيد الحزب. يؤدي الشبان تحية عسكرية للنعش، تليها أوامر عسكرية: »تأهب«، »مكانك«.

ينزل الشبان النعش من المنصة، ويتولى الشيخ نعيم قاسم الصلاة عن روح الشهيد، وقد وضع أمام الصف الأول للمعزين. تنتهي الصلاة ويرفع النعش مرة ثانية على الأكتاف. تبدأ الأيدي بالتلويح. تنتحب النسوة ويجهش الرجال.

عصر امس، غادر عماد مغنية إلى مثواه الأخير شهيدا. قبل مغادرته كانت أناشيد دوت باسمه وترددت في الأصداء: »من عزيمتنا لن ينالوا. من مسيرتنا لن ينالوا. كلنا ايمان. كلنا رضوان« وأخرى: »ابدأ بعرسك لم تزل، بك الشهادة تحتفل، من قال رضوان رحل، كلا وما رحل البطل«.

أمس، حمل نعش الحاج رضوان شبان تربوا على عقيدته. ردد هؤلاء عباراتهم الجاهزة مع تشييع كل شهيد: »لا اله الا الله والشهيد حبيب الله«، »يا الله يا الله احفظ لنا نصر الله«، وأمامهم رفرفت رايات »حزب الله« السود. ورددت الحناجر عبارات: »الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل«. كما رفعت لافتة باسم »السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي«، وعليها صورة مغنية: »لم يقفل الحساب، فلا تقلق. فتح الحساب، ولن يغلق«.

Thursday, February 14, 2008

الخبر الصباحي الثقيل يصيب الضاحية بالسكون


المعزون يتدفقون في حضور نجلي الشهيد وجده ووالده الذي فقد أبناءه الثلاثة
الخبر الصباحي الثقيل يصيب الضاحية بالسكون


منال أبو عبس
Al-Hayat (591 كلمة)
تاريخ النشر 14 فبراير 2008
يقع الخبر الصباحي العاجل ثقيلا. خبر من خارج المعادلة المفروضة على أذهان اللبنانيين منذ أكثر من ثلاث سنوات. استشهاد عماد مغنية، أبرز قياديي »حزب الله«، في تفجير في دمشق. تصديق الخبر يستوجب قراءة ثانية وثالثة. إذ، وفق المعادلة القسرية منذ محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة، عماد مغنية ليس أحد قادة 14 آذار (مارس)، والمخاوف كانت حتى ساعة ورود الخبر العاجل منصبة في اتجاه واحد: تفجير على شاكلة جريمة عين علق (قبل يوم واحد من ذكرى 14 شباط الماضي)، لمنع جمهور »ثورة الأرز« من العودة إلى ساحته مرة جديدة.

عنصر المفاجأة يثقل الخبر. اغتيال قائد عسكري وأمني، قد يكون الأرفع في »حزب الله«، في عملية تتطلب خرقا أمنيا دقيقا في قلب العاصمة السورية دمشق، هو مفاجأة من العيار الثقيل. لكن، عدا عن المفاجأة، بدا الهدوء مخيما على مناطق نفوذ »حزب الله« على امتداد نهار أمس.

عند الحادية عشرة ظهرا، كان حارس المبنى في بيروت يردد الخبر العاجل على مسمع السيدة. »انفجار في سورية. ومات عماد مغنية«، يقول. لا تعني العبارة للسيدة شيئا، ولا يبدو عليها أنها عرفت بالأصل من هو مغنية. لكن الجملة تقع وقوع الصاعقة على مسامع رجل يحمل طفلا، كان يهم بمغادرة المبنى. »شو؟«، يسأل الرجل، ولا ينتظر أي جواب: »عماد مغنية؟ عماد مغنية... زلزال. الرجل مثل السيد (حسن نصر الله) في الحزب«.

الذهول الذي خيم للتو على وجه كل من الحارس والسيدة، يغيب عن شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت. هنا، لا شيء يدل على هول الواقعة، وعلى أن الخطر قادر على الضرب في موضع موجع. الحياة عادية كما في كل يوم. زحمة السيارات والمارة وأصوات الباعة والمحال وعناصر الانضباط التابعون لـ »حزب الله« وسط الطرق. كل شيء عادي، حتى يخال المتجول أن الحدث الكبير يعني أشخاصا آخرين غير الموجودين هنا.

أمام جامع »القائم« في قلب الضاحية، يبدو الأسود لونا غالبا. يتجمع عدد من النسوة على أحد الأرصفة. ويصطف الرجال على درج الجامع، في مقابل رجال آخرين على جانب الطريق. وكما هي الحال في مجمع »سيد الشهداء« الذي يتحضر براياته السود لاستقبال المعزين بعد قليل، فإن تعليمات الانضباطيين بأن على الصحافيين التوجه إلى مكتب العلاقات الإعلامية لـ »حزب الله«.

الطريق من المجمع إلى المكتب تمر بأسواق تجارية لم تقفل حدادا. وما يمكن أن يردده أي من الناس هنا، لن يتعدى ما يعرفه سائق سيارة الأجرة المناصر لـ »حزب الله« عن الشهيد: »والله كان مهما جدا بالنسبة إلى الحزب ونفذ عملية قتل جنود المارينز في بيروت عام 1983، كما شارك ميدانيا في حرب تموز (يوليو) الأخيرة«. وباستثناء الأحاديث الشعبية المنقولة بالتواتر، تغيب عن أذهان الناس أي صورة ملموسة تربط الشهيد بذاكرتهم، أو بما يمثله في »حزب الله«.

في مكتب العلاقات الإعلامية تبدو الصدمة أشد وطأة. يتململ الصحافيون من قرارات منعهم من التصوير أو من بث تقاريرهم من الضاحية. وينهمك المسؤول الإعلامي في »حزب الله« الدكتور حسين رحال في محاولة الحصول على قرار، سيصدر قبل الثانية بعد الظهر، يسمح للصحافيين بتغطية التعازي في مجمع سيد الشهداء.

في مجمع سيد الشهداء يبدو المشهد أكثر قسوة. الحزن مؤلم وصادق. في الصدر يجلس نائب الأمين العام لـ »حزب الله« الشيخ نعيم قاسم ورئيس المجلس التنفيذي في الحزب السيد هاشم صفي الدين، ومعهما يقف والد الشهيد فايز ومعظم نواب »حزب الله«، وسياسيون كثر من فريق المعارضة. الوالد متماسك. هذا ابنه الثالث الذي يستشهد بعد فؤاد وجهاد. أما الجد، والد الوالد، فيحضن ابنه الذي خسر أولاده الثلاثة، ويغرق على صدره في بكاء عميق.

على بعد أمتار من الوالد، يرقد الابن في نعش مسجى على المنصة ملفوفا بعلم الحزب الأصفر. تصوير النعش ممنوع، كذلك بضعة رجال يقفون اسفل المنصة. بين هؤلاء شابان لا يتوقفان عن البكاء. هما ولدا مغنية، مصطفى وجهاد. يفصل بينهما وبين المعزين مجموعة من الشبان يصطفون مواجهين لهما، لمنع الكاميرا من التقاط وجهيهما الحزينين على الأب الذي هما من قلة قليلة كانت تعرف وجهه.

Friday, January 25, 2008

عندما يفرض السائقون المضربون ارادتهم

عندما يفرض السائقون المضربون ارادتهم
على زملائهم على طريق المطار


منال أبو عبس
Al-Hayat (556 كلمة)
تاريخ النشر 25 يناير 2008


يسير الصبي حاملا زجاجة فيها مادة قابلة للاشتعال. يسكب منها على إطار كانت رمته سيارة خصوصية مرت قبل دقيقة. يغادر كمن أتم مهمته، ويأتي بعده صبي آخر على دراجة نارية، يقذف بشرارة تشعل الإطار وسط طريق المطار القديم في الضاحية الجنوبية لبيروت، في المساحة الفاصلة بين مسجد الرسول الأعظم ومطعم الساحة. ينقطع الطريق لدقائق، ريثما يزيل عناصر من الجيش اللبناني الإطار المحترق من دون أي احتكاك يذكر مع مشعليه.

على هذا المشهد المتكرر، أحيا »طريق المطار« الإضراب الذي دعت إليه قطاعات النقل والزراعة أمس. فالطريق يقع في منطقة خاضعة لنفوذ قوى المعارضة، وتحديدا »حزب الله« وحركة »أمل« الداعمين للتحرك النقابي. ويقتضي الوصول إليه، المرور بصور مرفوعة للرئيس السابق اميل لحود مذيلة بعبارات التقدير من شاكلة: »بالله عليك من أين أتيت؟«. وهو بدا أمس، كأنه الشارع الوحيد في بيروت ومحيطها، الذي التزم الإضراب في صورة تامة. فظهر مهجورا من باصات النقل الخاص التي كانت تميزه. كما رصفت على جوانبه منذ ليل أول من أمس الباصات وسيارات الأجرة تأكيدا لالتزام أصحابها الإضراب.

إذا، لا سيارات أجرة تعبر طريق المطار المكتظ بالدراجات النارية والصبية المتشحين بالأسود. إرادة المضربين هنا لن تسمح بتغلغل غير المضربين. وستبدو لوحة التسجيل الحمراء، المميزة لسيارات الاجرة، فريسة سهلة، ما لم تكن تقل نقابيين يجولون للاطمئنان على الأوضاع. ولن يمنع الوجود الكثيف لعناصر الجيش وآلياته العسكرية على طول الطريق، المضربين من تنفيذ إرادتهم كلما مرت سيارة أجرة فيها راكب أو أكثر. و »إرادتهم« هنا تعني إجبار الركاب على النزول، و »معاتبة« السائق على عدم التزامه. وقد تتصاعد تدريجا لتصل إلى حد الانقضاض على سيارة أجرة متهالكة أصلا، بالسواعد والقبضات، ومن ثم كيل الشتائم إلى صاحبها الذي نجا بداية من بين أيدي الحشد، محتفظا لنفسه بحق الرد. فما أن اجتاز أمتارا عدة، حتى انطلق رجوعا وبأقصى سرعة في اتجاه المتجمهرين، ليفر كل منهم في جهة هربا من الأذى المحتم.

وعلى رغم تكرار حالات الشغب، إلا أن الممارسات بقيت في إطارها المحدود. فكان التعرض للسائقين وكيل الشتائم لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة ومن ورائه فريق 14 آذار (مارس) على مرأى ومسمع من عناصر الجيش الذين تعرض عدد منهم للرشق بالحجارة من دون أن يؤدي ذلك إلى أي احتكاك يذكر.

وبدت القاعدة المتبعة بين الطرفين شبه واضحة: الجيش اللبناني يمنع قطع الطرق فحسب، غير أنه لا يتدخل لفك قواعد »العتاب« بين السائق غير الملتزم وبين المضربين، وبالتالي لتأمين سير السيارات العمومية.

في المناطق المحيطة بطريق المطار، كان الالتزام أقل تأثيرا. غاب مشعلو الاطارات عن الغبيري ومحيطها والسفارة الكويتية والاوزاعي والجناح، لتحل محلهم تجمعات مدنية متفرقة. كما غابت سيارات الأجرة و »الفانات« طوعا خلال فترة قبل الظهر، ما اضطر طلاب المعاهد والعمال إلى الانتظار وقتا طويلا لوصول وسيلة نقل.

أما في بيروت الإدارية فبدت الحركة شبه عادية، في ظل وجود كثيف للجيش والقوى الأمنية وعناصر مكافحة الشغب.

وكعادتهم، واظب العمال السوريون على الجلوس تحت جسر البربير في انتظار عرض عمل يومي، في حين بدت زحمة السيارات العمومية والخصوصية وباصات النقل العام والخاص شبه عادية في بشارة الخوري ومار الياس. أما في منطقة الكولا التي تعتبر من أكثر مناطق بيروت اكتظاظا بوسائل النقل التي تقل الركاب من بيروت إلى المناطق، فبدت الحركة فيها أقل من عادية. ونفذ عدد من السائقين الإضراب بصورة هادئة وسجلت نقاشات سلمية بين سائقين مضربين وآخرين عاملين.

أمس، اجتاز لبنان يوم إضراب جديدا منقسما على أحيائه. على طريق المطار كانت قبضات المضربين ترتفع عاليا، فيما الأفواه تتبارى في كيل الشتائم لرئيس الحكومة فؤاد السنيورة ورموز الأكثرية. وفي بيروت، كان أي حديث عن مطالب محقة يقابل بالدفاع المستميت عن الحكومة والتشكيك بأهداف المضربين ومعهم فريق المعارضة.

Tuesday, January 1, 2008

فراغ رئاسي وانقسام سياسي

فراغ رئاسي وانقسام سياسي واستمرار اعتصام المعارضة
2007 لبنانيا: مبادرات مهدورة وفرص ضائعة


منال أبو عبس
Al-Hayat (1,784 كلمة)
تاريخ النشر 01 يناير 2008


دخل لبنان عام 2007 مثقلا بالأزمة التي رافقته منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وخرج منه بفراغ رئاسي وانقسام سياسي حاد بين فريقي الأكثرية والمعارضة.

فاعتصام المعارضة الذي كان أتم شهره الأول في 1 كانون الثاني (يناير) 2007، تواصل من دون أن يحقق مطلبه، أي سقوط حكومة فؤاد السنيورة وقيام حكومة وحدة وطنية. وعلى رغم أنه تحول في منتصف العام إلى مخيم لعناصر انضباط حزبيين، إلا أن القائمين عليه لم يرفعوه في انتظار تحقيق مكاسب سياسية.

مبادرات الحل العربية والدولية كما الاعتصام، لم تتوقف طوال العام المنصرم. وفي أحيان كثيرة كان يدخل على الخط نفسه أكثر من موفد، وأكثر من أزمة. إذ قلما شهد عام العدد الذي شهده 2007 من مبادرات لحل أزمة سياسية، نسف معظمها حتى قبل أن يولد.

في مستهل العام، وبعد فشل مساعي الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى في إعادة اللبنانيين إلى طاولة الحوار أواخر 2006، علقت الآمال على رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي كان وعد بإطلاق مبادرة بعد الأعياد. المبادرة لم تطرح في العلن، إلا أنها كانت تقوم على تشكيل حكومة أقطاب من 10 وزراء (يكون للأكثرية كما للمعارضة 3 وزراء والأربعة الباقون حياديون). أجهضت المبادرة وألقت المعارضة باللوم على النائب وليد جنبلاط، الذي كان وصفها بـ »البدعة«، مذكرا بصعوبة اختيار »الوزير الملك« في مبادرة موسى (التي كانت تقوم على حكومة مؤلفة من 19 وزيرا للأكثرية و10 للمعارضة و »وزير ملك«). غير أن مصادر الأكثرية أوحت بأن رئيس كتلة »المستقبل« النيابية سعد الحريري هو من رفض المبادرة.

كان هجوم جنبلاط على »حزب الله« بلغ هنا مراحل متقدمة، إذ اتهم في 7 كانون الثاني (يناير) »عماد مغنية بأنه متورط في بعض الجرائم«، وأعلن أنه يرفض لقاء نصر الله، وأن بري »مخطوف وكأن مسدسا إيرانيا - سوريا في رأسه«، مستغربا تعطيل المجلس النيابي.

وعاش اللبنانيون فصلا جديدا من فصول الأزمة تمثل بالخلاف على الورقة الإصلاحية للحكومة إلى مؤتمر »باريس-3«، التي رفضتها قوى المعارضة، وأقرها مجلس الوزراء.

الإشارات إلى نية المعارضة تصعيد تحركها في الشارع تكثفت بداية العام. وبعد اجتماع لها في منزل رئيس تكتل »التغيير والإصلاح« ميشال عون، تبنت المعارضة دعوة الاتحاد العمالي العام إلى التظاهر في اتجاه الوزارات والمرافق العامة احتجاجا على سياسة الحكومة. غير أن المعارضة لم تحشد شعبيا للاعتصام الذي توقف أمام الوزارة الرابعة. وواصل السنيورة جولته على عدد من الدول العربية لتأمين الدعم لـ »باريس-3«، وحصل من الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز والرئيس المصري حسني مبارك على تأكيدهما دعم لبنان والمؤتمر.

بالتزامن مع التحركات على الأرض، كانت ملامح معركة انتخابية فرعية في المتن لملء المقعد الشاغر باستشهاد الوزير بيار الجميل ترتسم. كما كان الأمين العام الجديد للأمم المتحدة بان كي مون في نيويورك يؤكد الدعم الدولي للبنان.

لم تخل المرحلة من محاولات لإيجاد منافذ للحل. فبرز تفاعل للدور السعودي. واستقبل الملك عبدالله وفدا من »حزب الله«، ووصف السفير السعودي لدى لبنان عبدالعزيز خوجة لاحقا اللقاء بأنه »كان طيبا«، وأكد أن »ليس هناك مبادرة سعودية، بل مبادرة موسى«. ولعب خوجة بعدها دورا في محاولة تقريب وجهات النظر. عودة وفد الحزب من المملكة لم تشهد بداية الحل، بل تطبيقا جزئيا لنصيحة الملك للوفد بالانفتاح على السنيورة والحريري بمساعدة خوجة. وجرت اجتماعات لخوجة أفرزت صيغة إقرار المحكمة عبر فريق عمل يدرس ملاحظات المعارضة على مشروع المحكمة على أن يتم إقراره في حكومة 19+ 10+ 1 يعين باتفاق الطرفين.

اعترضت كتلة النائب ميشال عون النيابية على »التسويات الإقليمية«. في الوقت نفسه كان أمين سر مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني يزور السعودية، ويعلن منها استعداده لزيارة بيروت لتسويق الحل، في حين كانت معلومات تصل بأن دمشق التي زارها لاريجاني يسبقه إليها وفد »حزب الله« غير راضية عن المسودة، فذهبت الأخيرة أدراج الرياح، وبدأ تصعيد المعارضة.

دماء جديدة

في 23 كانون الثاني نفذت المعارضة إضرابا عاما، بعد أيام من خطاب متلفز لنصر الله وعد فيه بالتصعيد، وأضافت إلى مطالبها: »قانون انتخاب جديد« و »انتخابات نيابية مبكرة«.

وأحرق المضربون الإطارات في الشوارع وقطعوا أوصال الطرق، ونصبت في بعض المناطق حواجز الهوية وظهر السلاح في الأيدي. بعد يومين من الإضراب اندلعت أحداث في الجامعة العربية، سقط على أثرها أربعة قتلى برصاص القناصة. وسادت صفحة مشوبة بالقلق من فلتان أمني محتمل وعودة الحرب.

مع اقتراب الذكرى الثانية لاغتيال الحريري منتصف شباط (فبراير) عادت المخاوف من اندلاع أحداث أمنية. فأفتى نصر الله بتحريم التورط في أي حرب أهلية. ووجهت زوجة الرئيس الراحل نازك الحريري إلى نصر الله رسالة لجعل ذكرى زوجها موعدا للمحبة.

بعد نحو أربعة أيام من الذكرى عادت بارقة أمل تظهر في الأفق، إذ سلم بري السفير خوجة مشروع المعارضة للحل على قاعدة التلازم بين المحكمة وتشكيل حكومة الوحدة. وتوجه الحريري ووزير الإعلام غازي العريضي إلى الرياض، في حين كان الأسد في إيران التي كانت تحاول أن تنتزع موافقته على صيغة الحل المقترحة، في انتظار جولة المشاورات الجديدة بين الرياض وطهران. وما هي إلا أيام قليلة حتى رفضت الأكثرية إعطاء 11 وزيرا للمعارضة خوفا من أن تستخدمها في الانتخابات الرئاسية المقبلة. واتهم »حزب الله« من يتلقى »إشارات من الأميركيين بتعطيل المساعي السعودية والإيرانية والروسية«. وعادت لقاءات بري - الحريري من دون أن ينتج منها أي تسوية، كما عاد تلويح المعارضة باللجوء إلى العصيان المدني، على رغم مواصلة البطريرك الماروني نصر الله صفير مطالبته بإنهاء الاعتصام.

فراغ في المجلس

في هذه الفترة برزت مشكلة جديدة هي عدم عقد جلسات المجلس النيابي، وأعلن »حزب الله« أنه لن تعقد »جلسة للبرلمان في العقد العادي (يبدأ في 15 آذار) من دون حكومة دستورية«. في 30 آذار (مارس) نشأ سجال بين بري والسنيورة على خلفية ارسال السنيورة مشروع المحكمة الى المجلس يوم زيارة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون لبنان. وقال بري إن المجلس لا يتسلم مشاريع إلا إذا كانت مرسلة من رئيس الجمهورية. كما صعد »حزب الله« لهجته، فحمل نائب الأمين العام لـ »حزب الله« الشيخ نعيم قاسم مجلس الأمن مسؤولية إقرار المحكمة تحت الفصل السابع... وبرزت حركة موفدين جدد.

في 10 أيار (مايو) استقبل الرئيسان الفرنسيان، المنتخب نيكولا ساركوزي وجاك شيراك الحريري وأعلنا تمسكهما بتشكيل المحكمة. وبعد أيام أعلن الحريري أنه »مستعد للقاء أقطاب المعارضة للتفاهم على المرحلة المقبلة بعد انجاز موضوع المحكمة«.

بعد شهر من عودة الحريري وقبل ثلاثة أيام من اغتيال النائب وليد عيدو، وصل الموفد الفرنسي جان كلود كوسران إلى بيروت، في حين كان وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل يلتقي نظيره الفرنسي برنار كوشنير في باريس، ويؤكدان أهمية تشكيل حكومة وحدة وطنية إعدادا للانتخابات الرئاسية. وفي حزيران (يونيو) أقر مجلس الأمن المحكمة الدولية. وفي 5 تموز (يوليو) عاد كوسران مرة جديدة إلى بيروت ليسلم الدعوات إلى مؤتمر لاسيل سان كلو (في 14 منه) الذي جمع زعماء الصف الثاني في باريس، في ظل دعم دولي وإقليمي للمبادرة الفرنسية التي تهدف إلى إقامة الحوار الداخلي بين اللبنانيين.

وبعد فشل المؤتمر عاد كوسران في 18 تموز من سورية، للإعداد للجزء الثاني من الحوار في لبنان، في ظل معلومات عن أن دمشق وعدته بالتشاور مع حلفائها في بيروت من دون الضغط عليهم، وغادر بيروت من دون نتيجة.

في 23 تموز رجع كوسران ليومين وطغت على لقاءاته معركة الانتخاب الفرعي في المتن الشمالي، في ظل سجال بين عون والرئيس السابق أمين الجميل الذي اتهمه بـ »تحريك السكين في الجرح«. وكانت مساعي صفير لتجنيب المتن معركة انتخابية تقابل برفض عون، (يفوز مرشح مدعوم من عون في 5 آب (اغسطس) بمقعد المتن، في حين ستمر انتخابات بيروت على مقعد النائب الشهيد وليد عيدو بشبه تزكية لـ »تيار المستقبل«).

في 27 تموز وصل كوشنير إلى بيروت للمرة الثانية بعدما فشل في تحقيق تقدم في زيارته الأولى، محاولا دفع الأمور إلى الأمام لأن »هناك صراعات ومحاور وألعابا شبيهة بالبوكر، لكنها قاتلة في لبنان«. وتمكن من جمع مسؤولي الصف الأول إلى مائدة السفير برنار ايمييه في قصر الصنوبر، باستثناء بري والسنيورة ونصر الله الذين تمثلوا بمندوبين عنهم.

وفي 29 تموز غادر كوشنير إلى القاهرة، عازيا فشله إلى »انعدام الثقة بين الأطراف اللبنانيين«، مع انطباع أكيد: »نعلم ان جزءا كبيرا من مصير لبنان يتم تقريره في الدول المجاورة، لا سيما سورية وإيران«. وتزامنت مغادرة كوشنير مع وصول وزير الخارجية الإسبانية ميغيل انخيل موراتينوس بعد محادثات مع نظيره السعودي في جدة.

وعلى الوقع نفسه كانت تتسارع التطورات... في 11 آب خرج بري عن صمته ليعلن ان إقفال المجلس كان لمنع تمرير قوانين غير موقعة من رئيس الجمهورية. ودعا الحريري إلى »تغيير خططه لأنه قريبا لن يكون على وفاق مع السنيورة«، كما أكد انه لن يسمح بأن يتعطل الاستحقاق. وشدد لاحقا، على أن »تكون حكومة الوحدة بداية حقيقية لإيجاد رئاسة الجمهورية وإيجاد توافق حتى قبل أن يتسلم الرئيس الحكم«. وغادر السفير السعودي إلى الرياض لإطلاع المسؤولين على نتائج مساعيه.

وفي 14 آب أعلن نصر الله أنه مع تسوية مدخلها حكومة الشراكة بعيدا من كل التفسيرات الخاطئة، مشيرا إلى مساع توفيقية يقوم بها بري. وفي ضوء إصرار المجتمع الدولي على ضرورة إجراء الاستحقاق الرئاسي في موعده، تفاقم احتدام المواقف بين المعارضة التي ظلت متمسكة بموقفها والأكثرية التي شهرت سلاح النصف زائدا واحدا، في حين أعلن البطريرك صفير أنه مع نصاب الثلثين.

وهنا بدت إشارات الانفتاح الفرنسي على سورية واضحة، وأبدت دمشق ارتياحها إلى خطاب ساركوزي (وفي 2 تشرين الثاني (نوفمبر) يحصل أرفع لقاء سوري - فرنسي منذ اغتيال الحريري، فيلتقي كوشنير نظيره السوري وليد المعلم في قبرص).

وفي بداية أيلول (سبتمبر) طرح بري مبادرة من نقطتين تقضي الأولى بتخلي المعارضة عن حكومة الوحدة وتخلي الأكثرية عن نية الانتخاب بالنصف +1، والثانية بإطلاق بري حوارا مع البطريركية المارونية وأقطاب مؤتمر الحوار متعهدا التوصل إلى اتفاق. وبعد أيام أعلنت قوى 14 آذار رفضها المبادرة.

ومع الانسداد في الأفق، اشتدت الأزمة وتلقى السفير السعودي تهديدات أمنية غادر إثرها في إجازة إلى الرياض، كان يقطعها كل فترة لاستئناف مساعيه.

كما برزت سلسلة زيارات لم تفض إلى اتفاق منها لمساعدة وزيرة الخارجية الأميركية اليزابيث ديبل، ثم كوشنير ثم مساعد وزير الخارجية الروسي الكسندر سلطانوف وموفدين إسبانيين، ثم في وقت لاحق قبل انتهاء المهلة الدستورية وفد وزراء خارجية اسبانيا ميغيل انخيل موراتينوس وايطاليا ماسيمو داليما وكوشنير (زاروا لبنان مرتين خلال أقل من شهرين)، من دون إغفال الزيارات المتكررة لموسى والتي لم تؤد إلى إنهاء الأزمة.

وكانت المهلة الدستورية بدأت في 25 أيلول (بعد ستة أيام على اغتيال النائب انطوان غانم) تاريخ الجلسة الأولى للمجلس بناء على دعوة بري، والتي لم تعقد بسبب عدم تأمين النصاب. وتأجلت الجلسات تباعا 11 مرة خلال عام 2007، إذ حدد بري الجلسة الرقم 12 في 12 كانون الثاني 2008.

وفي 11 تشرين الثاني أعاد خطاب نصر الله الأمور الى البداية، إذ تضمن خريطة طريق لاختيار الرئيس »تتجاوز مسألة المجاملات والتعارف وتبويس اللحى«، إلى »تحديد المسار السياسي العام في البلد والاتفاق عليه، بدءا بتحديد مواصفات الرئيس والحكومة الجديدة وبيانها الوزاري بأبرز عناوينه والتعيينات من قائد الجيش وقادة جدد للمسؤوليات المركزية في المؤسسة العسكرية«.

وعاد كوشنير إلى بيروت بعد سورية، لتنفيذ آلية وضع صفير لائحة بمرشحين توافقيين يتم اختيار واحد منهم في المجلس، منتقدا الكلام التهديدي لنصر الله من دون أن يسميه. ووضع صفير لائحة بأسماء مرشحين تضم عون وبطرس حرب ونسيب لحود وميشال الخوري وميشال اده وروبير غانم، لم يتم الاتفاق على أي منهم. وفي 19 منه أعلن كوشنير في زيارته السابعة للبنان انسداد أفق الوصول إلى حل.

عند انتصاف ليل 23/24 تشرين الثاني غادر لحود قصر بعبدا. وبعد نحو أسبوعين من الفراغ (وبعد مؤتمر انابوليس في 27 تشرين الثاني) بدأت الإشارات. أعلنت الأكثرية ترشيحها قائد الجيش العماد سليمان. إلا أن الخلاف عاد للبحث في آلية تعديل الدستور ولا يزال البحث جاريا وجلسات الانتخاب مؤجلة من أسبوع الى آخر... وسدة فارغة تنتظر من يشغلها.

Monday, December 17, 2007

ميشال سليمان : عماد التوافق

ميشال سليمان : عماد التوافق ... ينتظر التعديل


منال أبو عبس
Al-Hayat (1,052 كلمة)
تاريخ النشر 17 ديسمبر 2007
تبدو حركة العماد ميشال سليمان مكثفة. يجول بين مرجعيات تختلف سياسياً حاصداً عبارات تشيد بـ »حكمته« و«حسن إدارته الأزمات«. ويُسجل له الإجماع على وطنيته، وأنه حيّد نفسه والمؤسسة العسكرية عن انقسام الحياة السياسية بين فريقين. يرد سليمان على الزوار والمستقبلين مؤكداً التزام الجيش مسؤولياته ودوره في حفظ الأمن.

بعد نحو أربعة أسابيع على الفراغ في سدة الرئاسة اللبنانية، وشهر ونصف على سحب اسمه من التداول وصدور بيان عن قيادة الجيش ينفي ترشحه للمنصب الأول في الجمهورية، عاد اسم سليمان إلى الواجهة. وبدا انه المرشح الوحيد الباقي، ولا ينقص إلا العملية الإجرائية لانتخابه رئيساً. فمن هو ميشال سليمان الذي تولى قيادة الجيش منذ تولي سلفه اميل لحود الرئاسة عام 1998؟ ولماذا تحول فجأة إلى مرشح لكلا الفريقين المتصارعين، علماً أن اسمه لم يرد في لائحة البطريرك الماروني نصر الله صفير؟ وهل تمهد تجربته في قيادة الجيش لوصوله إلى الرئاسة؟ وكيف يمكن الحكم على تجربته خلال الأزمة السياسية؟

بعد 14 شباط (فبراير) 2005، بدء الاختبار الفعلي لقدرة سليمان على إدارة الأزمات. قبل ذلك التاريخ لم يكن كامل القرار الأمني أو حتى السياسي في أيدي اللبنانيين أنفسهم. والتطورات المتسارعة التي أنتجها اغتيال الرئيس رفيق الحريري تركت الجيش وقيادته أمام مسؤوليات كبرى، لم يختبر نوعها في أي وقت سابق.

في تظاهرة 14 آذار 2005، وضع الجيش عملياً في الميدان. القرار السياسي لحكومة الرئيس عمر كرامي كان بمنع التحرك. لكن أي منع كان في نظر قائد الجيش يعني وقوع اشتباكات بين الجيش والمدنيين، بالتالي دماً كثيراً لن يقوى الجيش على حمله. التقى سليمان مرجعين بارزين في فريق 8 آذار، وكانت النصيحة أن الدستور يحمي حرية التعبير، وهو أقوى من القرار السياسي. بناء على النصيحة، رفض العماد القرار السياسي واحتمى بالدستور. وفي اليوم التالي نشرت وكالات الأنباء العالمية الصور الشهيرة لمتظاهر يقدم وردة حمراء إلى عسكري يفصله عنه شريط شائك. في تظاهرة 14 آذار بدا أن ثمة تغييراً كبيراً ينتظره البلد، وأن الجيش نجح في الاختبار الأول. ولم يرفع ثوار الأرز صور سليمان، على رغم انهم رفعوا صور جميع رؤساء الأجهزة الأمنية أيام الوصاية السورية، مطالبين محاسبتهم. فقائد الجيش لم يخض يوماً في الصراع السياسي الذي كان الضباط الأربعة (المعتقلون منذ أكثر من سنتين) غرقوا فيه مع المعارضين العلنيين لسورية، أمثال القوى المسيحية ولاحقاً النائب وليد جنبلاط، أو مع المعارضين بصمت، وعلى رأسهم الرئيس رفيق الحريري. ولم يكن لدى قوى المعارضة حينها (قوى 14 آذار) سبب لاستعداء مؤسسة الجيش المهابة والمجمع عليها وطنياً، ولا سبب أيضاً لاستعداء قائدها.

في التحركات والتحركات المضادة التي جاءت لاحقاً، مارس الجيش سياسة الحياد ذاتها. ولم يرد قائده مرة على انتقادات اتهمته بأنه لم يقم بدوره خلال تحرك المعارضة في الشارع في 23 كانون الثاني (يناير) الماضي أو بعده بيومين، فلم يقمع المعترضين بالقوة. غير أن الجيش، ولمرة ثانية، بدا قوة ليس بالإمكان التخاصم معها، فظلت الانتقادات خافتة.

محطتان مفصليتان

يقول عارفون في شؤون اليرزة إن ثمة محطتين مفصليتين في مسيرة سليمان. الأولى كانت العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز (يوليو) 2006 والثانية كانت الاشتباكات في مخيم نهر البارد. في حرب تموز لم يكن الجيش هو المستهدف، لكن سليمان أعلن منذ اللحظة الأولى أن الجيش ليس على الحياد، وتصرف العسكريون على هذا الأساس. ولم يترك سليمان الجنود لقدرهم في أرض المعركة. فطلب من المعنيين أن يُفتح صندوق قائد الجيش وتوزع عائداته على العسكريين في الجنوب، ليتدبروا أمورهم في ظروف الحرب، لئلا يقال إن عسكرياً اضطر للجوء إلى أحد لتدبر سبل حياته.

الإنزال الإسرائيلي في صور كان برهاناً آخر على عدم تحييد الجيش. إذ تزامن مع اتصال إسرائيلي بسنترال مركز الجيش في صور يفيد بأنه ليس هو المستهدف، بالتالي يجب عليه ألا يتدخل. غير أن الجيش تدخل حيث اقتضى الواجب. في إنزال البازورية أيضاً، كان للجيش واستخباراته الدور الأكبر في إفشاله.

في حرب تموز ساند الجيش المقاومة، وليس فقط بالكلام. وعلم أن قائده رفض عدداً من المطالب الإسرائيلية التي كانت تصل في شكل غير مباشر، بينها تزويد الجيش اللبناني إسرائيل جدول مواعيد تحرك آلياته، كما رفض الطلب الإسرائيلي بأن يرفع العلم اللبناني على الجانب الأيمن لآليات الجيش للإشارة إلى أن الآلية تعود إليه وليس لغيره. فبالنسبة إلى قائد الجيش، علم لبنان لن يكون علامة للخيانة.

معركة البارد كانت المحطة الأقسى على قلب سليمان. في بداياتها قال إنها ستستغرق بين 3 و6 أشهر، رغم ما أشاعه آخرون من أنها ستستغرق أسبوعين. تابع مجريات المعارك لحظة بلحظة، فلم يترك مكتبه لأكثر من ثلاثة أشهر. ساءه القول إن المخيم »خط أحمر«، غير أنه لم يقف عنده. وأعلن الحرب على المعتدين على »هيبة لبنان«، وعسكره بعدما فوضت إليه الحكومة اتخاذ الإجراءات المناسبة. وهو لم يعر انتباهاً في اجتماعه مع الحكومة، إلى بعض الوزراء الذين طالبوا بهجوم ساحق. وبرهن قائد الجيش مرة أخرى عن حكمة وهدوء في مواجهة الأزمات الكبرى.

علاقة سليمان لم تكن مقطوعة مع أي من الأطراف اللبنانيين. علاقته مع الرئيس السابق لحود لم تكن وطيدة، ورأى كثر في ذلك »توتراً روتينياً بين قادة الجيش والرؤساء«. غير أن القائد لم يقاطع القصر، وحافظ على الزيارات الدورية.

المجلس العسكري بدوره، استثمره سليمان لمصلحة الجيش. فوظف التنوع الطائفي لضباطه في خدمة المؤسسة العسكرية، وصار كل ضابط جسر اتصال بين قائد الجيش والمرجعية السياسية لطائفة الضابط، على أن يكون الأخير بذلك ممثلاً للمؤسسة أولاً وأخيراً.

على الصعيد الخارجي، لا يبدو أن لأي من الدول ذات الصلة في الشأن الرئاسي اللبنانية »فيتو« على سليمان. إذ يأخذ عليه بعضهم قربه من سورية، في حين يأخذ عليه آخرون أن الأكثرية طرحت اسمه مرشحاً، على رغم أن رموزاً في الأكثرية لطالما انتقدت تجربة العسكر في السلطة، مستندة في ذلك إلى تجربة العمادين ميشال عون واميل لحود. لكن مطلعين على آرائه يقولون إن سليمان وعلى رغم انتمائه إلى المدرسة الشهابية، يبدو مؤمناً بصعوبة تكرار بعض جوانب تجربة الرئيس (اللواء) فؤاد شهاب في الظروف الراهنة، كما أن نظرته إلى العسكر أيام الثمانينات والتسعينات غير إيجابية، إذ يحكى أن وصوله إلى الرئاسة سيشكل نقطة قطع مع تجربة العسكر في تلك الحقبة.

ويقول بعض عارفيه إنه إذا كانت صورة المؤسسة اهتزت نتيجة تجربتي عون ولحود في الحكم، فالعماد يبدو مصراً على محو هذا الاهتزاز في الصورة، إذا حظي بلقب »فخامة الرئيس«.

ولد ميشال نهاد سليمان في 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 1948 في عمشيت - قضاء جبيل. يحمل إجازة في العلوم السياسية والإدارية من الجامعة اللبنانية، ويتقن اللغتين الإنكليزية والفرنسية. تخرج عام 1970 من المدرسة الحربية برتبة ملازم. وعين عام 1990 رئيساً لفرع الاستخبارات في جبل لبنان، ثم بعد سنة أميناً لأركان قيادة الجيش. بين عامي 1993 و1996 تولى قيادة لواء المشاة الحادي عشر، وتخللت الفترة مواجهات عنيفة على جبهة البقاع الغربي والجنوب مع إسرائيل. وفي 1996 رقي سليمان إلى رتبة عميد، وعين قائداً للواء المشاة السادس. وبعد انتخاب القائد السابق للجيش اميل لحود لرئاسة الجمهورية عام 1998، رقي سليمان إلى رتبة عماد وعين قائداً للجيش اللبناني.