Sunday, May 11, 2008

لسنا بخير ... ماذا عنكم ؟

لبنان في نفق المحنة : لسنا بخير... ماذا عنكم ؟




منال أبو عبس
Al-Hayat (883 كلمة)
تاريخ النشر 11 مايو 2008

أنظر إلى الصورة المنشورة في الصفحة الأولى من « الحياة »، فلا أصدق. هل يجري هذا كله في عاصمتي بيروت؟ هل عاد الملثمون إليها؟ هل أحرقوا سيارات أهلها وبيوتهم؟ هل فعلا ينام ابني ويستيقظ على صوت الرصاص؟ هل يجري هذا كله وأنا عالقة في مطار فرانكفورت مع 13 زميلا صحافيا آخرين، وقد نفد تاريخ تأشيرات دخولنا جميعا إلى دول الاتحاد الأوروبي؟

أنظر إلى الصورة، وأقرأ في وجوه زملائي الخوف من مصير قذر يتقاذف بلدنا البعيد منا. 14 لبنانيا لكل منهم عائلة يعرف أنها لن تكون بخير ولبنان على شفير الهاوية. انظر إلى سلمان فأراه غارقا في عالم آخر. تقذفه الأفكار الشريرة إلى حيث زوجته وطفلاه عالقون في رأس النبع. منطقته المختلطة طائفيا تقع على حد السيف. ولا شيء يمكن لرب العائلة المعزول في قارة أخرى أن يفعله ليمسح الخوف عن عيني طفليه.

بسام أيضا يشعر بالخوف. بيته خارج بيروت الملتهبة، إلا أنه يعرف أن المنطق نبتة لا تنمو في أرض لبنان، وأن الجنون لن يهدأ قبل أن يقهر الجميع. أنظر إلى وجهه الذي تلون بأحمر الغيظ والغضب. وأتخيله يفكر بزوجته وأطفالهما الأربعة، وكم أن بلدنا ظالم في حق من أحبوه.

يتسع مطار فرانكفورت لنا جميعا. نضع حقائبنا الواحدة فوق الأخرى، ونجتمع في ركن منعزل كي لا نضيع بعضنا بعضا في المطار الكبير. صرنا لاجئين. ولم يبق في تأشيرة دخولنا الأوروبية إلا ساعات عدة. وأملنا بالعودة إلى بلدنا ومن نحب يبتعد مع كل خبر عاجل. هي بيروت تطعننا في القلب مرة جديدة.

يثقل المرض كاهل شحادة. مسكين. لم يكد يفرغ من ورشة عمل مكثفة جدا في برلين ولاهاي، حتى ارتفعت حرارته إلى درجة مقلقة. لشحاده أيضا ولدان صغيران، صبي وفتاة، كان قبل يوم واحد يسرق دقائق الفراغ ليشتري لهما هدايا تذكارية من الغربة. مسكين شحادة، يقلق على صغيريه وبلده، وتسرق منه مدينتنا المشتعلة حقه في أن نقلق عليه.

يعاند عباس أمامنا كي لا نرى القلق في عينيه. يجرب أن يقلب مسار القلق. لا يفلح. فالصدمة كبيرة والصور عاجلة عن بيروت تحترق... فتحرق القلب. عباس ينتظر مولودا بعد شهر ونصف. كان يخطط لإرسال زوجته إلى أميركا لتلد هناك، فتعود بجنسية أجنبية إلى شقيق ابنته الصغيرة. تقطيع أوصال بيروت وضواحيها افشل مخطط عباس وخططنا إلى العودة بهدايا تفرح قلوب أحبائنا في بيروت.

لم يسمح الوقت لعلي بأن يجلب لزوجته وابنيه هدايا كانوا طلبوها منه من برلين. قلق علي يختلف عن قلقنا جميعا، فزوجته وابناه يقيمان في الضاحية الجنوبية، ولا بوادر تشير إلى احتمال وصول الخطر إلى تلك المنطقة. غير أن الخوف يبقى جائزا. الخوف من بيروت التي تدهشنا كل مرة بقدرتها على جعل المستحيل أمرا محتما.

تنظر كلوديت في عيون الجميع واحدا تلو الآخر، فلا ترى فيها إلا احمرارا يدل على حنق العاجزين. طيب قلب كلوديت، لا تمل من مواساة الجميع. تتحدث كلوديت عن أشقائها وأصدقائها، ويبدو إحساسها أكيدا من أن هذه المرة الأحداث لن تطال محيطها.

من الصعب معرفة ما الذي يفكر فيه ادمون أو تيلدا وعصام. يسحب ادمون نفسه سرا من بيننا إلى ركن الهاتف العمومي. يعود إلينا بوجه أكثر احمرارا، ليقول إن الأخبار من بيروت سيئة، لكن لا جدوى من الغضب، لن نستطيع أن نوقف ما سيحدث. تيلدا تميل إلى الهدوء والابتسام، وعصام أيضا. طبع الأخيرين محبب وهدوءهما يترك من يجالسهما مرتاحا.

عمر عريس جديد، يتحدث كثيرا عن رغبته في إنجاب الكثير من الأطفال. الأخبار الواردة من بيروت، لا بد غيرت رأي عمر أو أجلت قراره لوقت طويل.

تتواصل الأخبار السيئة عن بيروت، ويتواصل حنقنا وغضبنا من عجزنا. عالقون في مطار كان يفترض أن نكون غادرناه صباحا إلى مطار بيروت. مطارنا مقفل الآن وليست لنا وجهة محددة، ولا بلد يمكن أن نغادرها الآن من دون تأشيرة. سمير (من مؤسسة فريديريتش ايبرت) ولين (من المركز الدولي للعدالة الانتقالية) يبذلان جهودا جبارة في تأمين وجهة. مسكينة لين بهمها المضاعف. قبل ساعات كان يفترض بزوجها أن يغادر إلى دبي، ويترك الطفلين مع والدتها. الزوج الآن عالق مع الولدين في السوديكو، والمنطقة المحيطة ببيتها تغلي بالمسلحين وأصوات الرصاص.

سمير أيضا مسكين. كان يفترض به أن يبقى في ألمانيا، ويلتقي أصدقاء كثرا. سمير الآن عالق في دوامة من الاتصالات لتامين نقلنا من ألمانيا، وللاطمئنان الى سلامة أولاده في لبنان.

انظر إلى وجوه الجميع ولا أشعر إلا بضباب داخل رأسي. أفكر في جاد الذي ينتظر مني هدية في مناسبة بلوغه العامين بعد أيام، وفي جهاد العالق في جريدة »السفير« وفي أمي وأبي. أحس بسهم من نار يخترق ضلوعي. كثيرة هذه الصور على بيروت. كثير هذا الدخان وهذه النار وهذا الكره يروي قلوب المراهقين الملثمين.

أفكر في هذا كله. وأبكي حتى أكاد اختنق.

بعد ساعات قليلة ننتقل جميعا إلى قبرص، حيث أقام من أراد منا في فندق حجزه لنا النائب سعد الحريري. قرب المسافة بين بيروت وقبرص لم يرو قلوبنا. نتحدث كثيرا عن أمنيتنا لو نذهب سباحة إلى بيروت، عاصمتنا الغالية. ننظر نحو البحر ونتمنى لو يلوح لنا من بعيد أحباء نشتاق إليهم، وننتظر بلا جدوى أن تفلح اتصالاتنا في الوصول إلى باخرة ترمينا على أي شاطئ من شواطئ بيروت.

يصلني صوت جاد عبر الهاتف. يتحدث بلغة لا أفهمها، لكن خالته تفسر أنه عائد للتو من مدخل البناية، حيث التقى عسكريين صاروا رفاقه. اسمع صوت الرصاص بوضوح عبر الهاتف، فيغلبني البكاء. لم أرده يوما أن يسمع صوت بكائي ولا صوت الرصاص. مسكين حبيبي جاد. لو كنت هناك ربما لجنبته سماع صوت الرصاص. لحملت صورا كثيرة احتفظ بها في غرفتي وذهبت إلى المسلحين الملثمين. لطلبت منهم أن ينظروا جيدا في الخوف المرسوم في عيون من في الصور وفي رائحة الدمار والدماء. ثم لطلبت منهم أن يقرأوا الأرقام الكبيرة للقتلى والمفقودين أسفلها. ولأخبرتهم كثيرا عن الذنب الذي سيرتكبونه وعن عذاب الضمير. لأخبرتهم أشياء كثيرة، ولاعتذرت باسمهم من بيروت، عاصمتي الغالية.

Monday, April 14, 2008

اللبنانيون يسترجعون الصور المرعبة للحرب الأهلية

جمعيات أهلية أحيت الذكرى 33 لمواجهات حصدت عشرات الآلاف
 اللبنانيون يسترجعون الصور المرعبة للحرب الأهلية


منال أبو عبس
Al-Hayat (822 كلمة)
تاريخ النشر 14 أبريل 2008


في مثل هذا اليوم قبل 33 سنة، وقع اللبنانيون في مصيدة الحماقة الكبرى. زهقت حربهم الأهلية بما فيها الاجتياح الإسرائيلي أرواح نحو مئة ألف شخص. وكبدت آخرين جروحا وإعاقات، واقتطعت من الحيوات 15 عاما لتكون محطات متتالية للرعب والتهجير والدمار.

أمس، استعرضت اكثر من جمعية ومنظمة واتحاد مشاهد من الذكرى المرعبة. استرجعت بعضا من صورها الكريهة، وألقتها عنوة أمام الأبصار ليتعظ من لم تعظه كل المرارات السابقة. بدت كمن تقول له: أن تجرب، فلن تجني إلا مزيدا من النار والقهر بين الضلوع. على مسالك خطوط التماس الجديدة (الفاصلة بين مناطق الأكثرية والمعارضة وشهدت اخيرا مواجهات بين الفريقين)، سار شبان وشابات من »الاتحاد الديموقراطي اللبناني« رافعين أعلام لبنان ومرددين أغاني السلام. وفي شوارع بيروت نظم شبان »نحنا كلنا« مسيرات سيارة ووزعوا منشورات تكشف الأسباب الحقيقية للحرب الأهلية، تحت شعار: »خدلك موقف... كبر عقلك«. وعلى مفارق مختلفة من بيروت اختارت فرق أخرى إحياء الذكرى المرعبة بمسيرات أو ندوات وحوارات في مناطق محددة.

من بين التحركات الكثيرة، واحد نفذته نحو 40 جمعية من مختلف تيارات المجتمع المدني. سلك نحو ألفي شخص خط التماس القديم - طريق مار مخايل الشياح وصولا إلى وسط بيروت- مطلقين حملة »وحدتنا خلاصنا«، تحت شعار »مسيرة مصالحة«. تقدم حملة الرايات السود وأعلام لبنان المسيرة. وساروا بمحاذاة عدد من أبنية زمن الحرب في الشياح وعين الرمانة. منظر الأبنية المتهالكة ما زال مرعبا. جدرانها ازدادت سوادا وإن نبت عليها النبات المغلف برائحة العفن. على أحد هذه الأبنية علقت صورة كبيرة لبوسطة كانت متراسا على خط راس النبع عام 1982، ولشخصين يملآن أكياس الرمل ترد الرصاص المنطلق من ناحية »العدو« اللبناني الموالي لميليشيا منافسة. على تقاطع الشياح - عين الرمانة عادت أكياس الرمل اليوم. خلفها يرابط عدد من عناصر الجيش اللبناني المتأهبين لفض الإشكالات المتكررة منذ انتهاء الحرب في المنطقة التي شهدت انطلاقة الحرب السابقة.

تتراوح أعمار المشاركين في مسيرة المصالحة بين الأطفال الرضع والعجائز الذين أرهقت كواهلهم تركة الحرب السابقة. يطغى على لباسهم اللون الأبيض وشعار الحملة. بين هؤلاء تقف آية. لا تعرف ابنة السنوات الست سبب قدومها للسير بين هذا الجمع. تعيد بصوت خافت ما تلقنها إياه والدتها: »يكفينا حروبا. اتركونا نعيش بسلام، وخذوا حروبكم بعيدا منا«.

على مقربة من آية تقف روعة المنتسبة إلى إحدى جمعيات المجتمع المدني في باب التبانة في شمال لبنان. تقول روعة إنها جاءت مع نحو مئة شخص من أنصار الجمعية ومستقلين، لتوصل رسالة إلى من يفكرون بارتكاب حماقة جديدة، بأنهم لن يجنوا إلا الويلات والخراب والموت. إلى كلام روعة تضيف ناريمان التي ولدت بعد الحرب الأهلية أن »علينا أن نوجد أملا جديدا. أن نوصل الرسالة إلى العالم كله بأننا لا نستهوي الحرب«. تضحك روعة وصديقتها من احتمال مقارنة تحركهم مع التظاهرات المليونية المتكاثرة اخيرا، وتقول الأولى: »حتما رسالتنا ستصل أسرع، فنحن لسنا هنا لنفدي أحدا بالأرواح والأولاد، بل لنوصل رسالة سلام«.

تسلك المسيرة طريق صيدا القديمة - مستديرة الطيونة، وقد زينت بلافتة كبيرة. »17356 مخطوفا... مش مستعدين نعيدها«، كتب على اللافتة. بجانب الرقم المرعب صفت صور بالأبيض والأسود لشبان ورجال، خرجوا في أيام من الحرب الطويلة وما رجعوا.

فيروز سليم هي واحدة من المعنيين بالرقم المرعب. لا تتعب السيدة التي تجاوزت الستين من تكرار الحكاية نفسها أمام كل مصور وصحافي يقصدها. ترفع أمامه صورا شمسية لخمسة شبان هم أبناؤها اكرم ومحمد وجهاد ونضال ووالدهم شوكت سليم. وتقرب الصور ما استطاعت من عدسات المصورين، علها تلتقط الملامح، فيعود إليها من خسرتهم على حاجز في جبل لبنان في 18 أيلول (سبتمبر) 1982. آنذاك أوقف عناصر الحاجز السيارة وابعدوا فيروز وبناتها الثلاثة مع أخيهم الأصغر، ليرموهم على حاجز في شمال البلاد لاحقا. ولم يرجع الشبان الأربعة. »من 25 سنة ما ارتحت«، تقول وتضيف: »لا أريد من أحد شيئا. فليخبروني أين هم وأنا بنفسي سأعيدهم، ولن أطلب شيئا في المقابل«. تمسح بمنديلها الأسود عينيها المبللتين، لتعود فتطيل النظر في صور خسارتها الكبيرة، والتي أثقلتها خسارة ابنها الأصغر وزوجته في حادث سير قبل ثلاث سنوات تاركا لها أطفاله الثلاثة. أمام فيروز تسير حاجة بلباس أسود، وإلى صدرها صورة ابنها المفقود سعد الدين الهرباوي. يغطي صراخها على عزف الفرق الكشاف المشاركة. »يا ويلي. أنا أم مخطوف«، تقول وتغرق في نوبة بكاء جديدة. تهتز العكازة التي تعينها على السير، وتصرخ: »يا أمي«، فتنقبض مع سماعها قلوب كثيرة.

أمام أمهات المخطوفين، يرفع مراهقون زميلهم على حمالة وقد غطى وجهه بقماش ابيض مبلول بسائل أحمر. ملابس الشبان أيضا ملونة بالسائل الأحمر نفسه، هو الدم الذي سيسيل مع أي حرب.

يعبر المشاركون طريق المتحف. وتحت نفق المزرعة، يستبدلون الرايات السود بأخرى بيض. يسلكون مناطق راس النبع وبشارة الخوري، ترافقهم الأناشيد الكشفية وقرع الطبول, وتحيط بهم اللافتات والصور المستعادة من الحرب، وعدد من عناصر القوى الأمنية.

في وسط بيروت، كانت المحطة الأخيرة لرافضي الحرب. هناك اجتازوا اعتصام المعارضة اللبنانية. مروا بالخيم الفارغة من روادها، وعناصر الانضباط الحزبيين. وفتحت من الليلة السابقة المساحة الفاصلة بين ساحة الشهداء، وساحة اللعازارية المفصولتين بأسلاك شائكة منذ اعتصام المعارضة. هناك وضع مسرح كبير خصص لندوات الإعلاميين ولنشاطات متفرقة.ومع بداية المساء تلا المشاركون دعاء مشتركا مع ممثلي الطوائف اللبنانية، وأطلقوا مشروع مصالحة بين أطراف الحرب الأهلية، وزرعوا شجرة زيتون في ما أسموها »حديقة السماح«.

أمس، خصص جزء من اللبنانيين يومهم لاستعادة مشاهد قاسية لم تنسها مخيلة من عايشها بعد. لم يعشها، لكنه أعلن مسبقا رفضه لها. طعمها لن يكون إلا مرا.

Saturday, March 15, 2008

نجاحات 14 آذار وإخفاقاتها

لبنان : قوى 14 آذار تعدد نجاحاتها وإخفاقاتها
وتتمسك بالمبادرة العربية وترشيح سليمان


منال أبو عبس
Al-Hayat (853 كلمة)
تاريخ النشر 15 مارس 2008
حددت قوى 14 آذار (مارس) أمس، وفي ذكرى مرور ثلاث سنوات على التظاهرة التي أخذت اسمها منها، موقفها من مختلف القضايا السياسية والوطنية اللبنانية ورؤيتها المستقبلية للوضع بعلاقاته الداخلية وارتباطاته الاقليمية، وذلك في الوثيقة السياسية لمؤتمرها الأول الذي عقدته في قاعة البيال في بيروت أمس.

ويعتبر اللقاء الذي اقتصر الحضور فيه على المدعوين ببطاقات وزعت سلفا (3500 بطاقة)، هو الأول الذي يجمع قادة من 14 آذار بجمهورهم من دون أن تكون المناسبة تشييع شهيد من صفوفها أو الاحتفال بذكرى شهيد آخر، إنما الإعلان عن خريطة الطريق السياسية للقوى في الفترة اللاحقة، في حضور أرامل الشهداء الذين سقطوا على مدى السنوات الثلاث الفائتة وأبنائهم وأقاربهم. وحفلت كلمات المشاركين بطابع من التقويم الذاتي والنقدي، وصل إلى حد تعداد النجاحات والاخفاقات التي منيت بها القوى في مراحل من مسيرتها، الأمر الذي بدا وكأنه مشروع لاستنهاض همة »ثورة الأرز« وجمهورها استعدادا لاستحقاقات مقبلة.

وكانت الاستعدادات للمؤتمر انطلقت منذ الإعلان عنه مطلع الأسبوع. ولفت جدران قاعة بيال بصور شهداء قوى 14 آذار، ومعهم مدير غرفة العمليات في الجيش اللبناني اللواء الركن الشهيد فرنسوا الحاج ورئيس الفرع الفني في شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي الرائد الشهيد وسام عيد، من دون أن يغفل الملصق الضخم أسماء المرافقين والضحايا المدنيين الذين سقطوا في كل التفجيرات. وسلط الضوء في الجدار الخلفي للمتحدثين على رسم لقبضة يد بيضاء تحمل سنبلة لونها أخضر، هو شعار المؤتمر. كما برزت على الجدران المقابلة شاشات كبيرة ظلت تبث صورا مستعادة من تظاهرة 14 آذار 2005، بلافتاتها التي كانت تحمل مطالب »ثوار« تلك الفترة: الخروج السوري من لبنان وسقوط حكومة الرئيس عمر كرامي واستقالة قادة الأجهزة الأمنية (موقوفون حاليا في إطار التحقيقات في جريمة اغتيال الرئيس الحريري).

< في الصف الأول جلس قادة من قوى 14 آذار، موشحين بشعار »ثورة الأرز« الأبيض والأحمر، يتقدمهم الرئيس السابق أمين الجميل ورئيس »اللقاء النيابي الديموقراطي« وليد جنبلاط ووزراء الأكثرية وعدد من نوابها ونواب سابقون والقائمة بالأعمال الأميركية ميشال سيسون التي قوبل دخولها بموجة تصفيق طويلة. كما حضر عدد كبير من الشخصيات السياسية والدينية والإعلامية والثقافية.

وبدأ المؤتمر، بكلمة عضو كتلة »المستقبل« النائب سمير الجسر الذي استعرض منجزات »ثورة الأرز« وإخفاقاتها، معتبرا أن »الثورة لا حظ لها في التقدم إلا من خلال رؤية تراعي الواقع اللبناني ومستقبله«.

وقال الجسر: »نكبنا بالشهداء وبدرب الشهادة الذي أعاق تحرك الكثير من قياداتنا، لقد فشلنا في بسط سلطة الدولة على كامل التراب اللبناني، ولا تزال هنا وهناك مربعات أمنية خارج ســلطتها. لم نســتعد كامل مؤسسات الدولة التي ما زال الكثير منها لا يعمل للمصلحة العامة ولكل المواطنين، لم ننجح في تــلبية حاجات الناس المطلبية والاجتماعية والاقتصادية التي وعــدنا بها ولم ننجح في توفير الاســتقرار الــسياسي الذي هو أساس لكل اسـتقرار اقـتـصـادي واجـتماعي ولم ننجح في إنــقاذ الجمهورية بــانتخاب رئيــس لها«.

وأضاف الجسر: »لكننا مع ذلك، وعلى رغم كل الظروف الدولية والإقليمية الضاغطة، نجحنا في أمور كثيرة، نجحنا في إخراج نظام الوصاية وفي إجراء انتخابات حرة للمرة الأولى بعد انتهاء الحرب الأهلية، وتأليف حكومة يكفيها أنها قاومت على المستويين الخارجي والداخلي كل ما يتهدد الوطن، وفي استعادة ثقة العالم بنا، وفي إقرار التحقيق الدولي، وفي إقرار المحكمة الدولية، وفي عقد باريس ?3 بكل مقرراته، وفي وقف العدوان على لبنان عام 2006 وإشراك المجتمع الدولي في توفير الحماية للبنان من خلال القرار 1701 الذي شارك فيه كل اللبنانيين، وفي توفير التضامن الداخلي والوحدة الوطنية في مواجهة إسرائيل، وفي عدم الرضوخ ومنع إسقاط الحكومة في الشارع على رغم كل الــتهويل، وفــي تأمين استمرار عمل المؤسســات على رغم خلو سدة الرئاسة، وفي الحفاظ على ثقة الناس التي عبر عنها مشهد 14 شباط (فبراير) في ســاحة الــحرية، ونــجحنا أكـثر في انتـزاع إعـجاب العـالم وتـأييـده«.

واعتبر الجسر أن هناك »فرصة كبيرة لإنقاذ لبنان إذا ما عرفنا كيف نحدد الأهداف«. وحدد »المعوقات في وجه قيام الوطن«، داعيا الى معالجتها ومنها: »عدم تطبيق اتفاق الطائف الذي يجب أن ينفذ وفق جدول زمني، ومشروع الدولة الذي هناك إشكالية حوله بأبعاد كثيرة أخطرها البعد الذي نشأ في ظروف العمل المقاوم والذي أنتج مربعات أمنية وأورث دويلة ضمن الدولة تستفرد بقرار الحرب والسلم دون الدولة ولا تقل خطرا عن ذلك الثقافة العشائرية والمناطقية المتجذرة في كل المجتمع اللبناني والتي تشكل خطرا دائما وداهما على الدولة، وإشكالية الطائفية والمذهبية وهي المرض العضال الذي يتهدد الدولة في الحاضر والمستقبل، وإشكالية الديموقراطية التي لها قيم وأبعاد تعزز مساواة الجميع أمام القانون، إن إقرار الديموقراطية التوافقية مرحلة انتقالية لا يخرج في تطبيقاته عن التصويت بالأكثرية أو بأكثرية موصوفة وإلا أدخلنا البلد في أتون اللااستقرار السياسي الى ما لا نهاية، وإشكالية مفهوم الحرية... وللحرية حدود يجب احترامها بكل ما يلامس حقوق الآخرين ومشاعرهم واحتلال الساحات العامة والشوارع وتعطيلها والتأثير في اقتصاديات البلد أو جزء منه ليس ضربا من الحرية بل اعتداء عليها وإشكالية العدالة، والمساءلة هي الأساس في تحقيق العدل والمساواة بين الناس...

وأكد أن عدم انتخاب العماد ميشال سليمان لا مبرر له سوى الرغبة في الانقضاض على الدولة، معتبرا أن الحل يكون بالتدرج في تنفيذ المبادرة العربية. وشدد على التمسك بالمحكمة الدولية.

وتناوب على شرح عناوين اللقاءات والورش التي سيتضمنها المؤتمر ممثلون عن قوى منضوية في 14 آذار.

وأطلع ممثل حركة »التجدد الديموقراطي« أنطوان حداد الحاضرين على العناوين العريضة لورش العمل بينما تحدث ممثل الحزب التقدمي الاشتراكي ريان الأشقر عن مؤتمر الشباب الذي سيقعد في الأسابيع المقبلة، اما ممثلا »القوات اللبنانية« أدي أبي اللمع و »الكتائب« ميشال مكتف فتحدثا عن مؤتمر الاغتراب والانتشار الذي سيحدد تاريخه لاحقا بالاتفاق مع المغتربين بهدف تفعيل مشاركتهم في الحياة السياسية اللبنانية.

Tuesday, February 19, 2008

خطوط التماس الوهمية تقطع قلب بيروت

خطوط التماس الوهمية تتلوى في قلب بيروت... وتقطعه


منال أبو عبس
Al-Hayat (729 كلمة)
تاريخ النشر 19 فبراير 2008

لم تغادر صور الحرب الأهلية ذاكرة اللبنانيين بعد. عباراتها القاسية لم تهجر قاموسهم. « خطوط تماس » الحرب تطل برأسها من جديد. الأحاديث عن »ميليشياتها« و »مسلحيها الملثمين« عادت بعد سنوات طويلة، تقيم على الأنفس حد السيف.

في بيروت، تغيرت المواقع كثيرا بين الأمس واليوم. عبارة مثل »الشرقية والغربية« الشهيرة ما عادت تدب الرعب في العروق. خطوط التماس الجديدة صارت تمر في قلب العاصمة وتقطعه. تقسم جانبي الشوارع وطبقات المباني. هي خطوط غير مرئية، تتلوى كأفعى بين الأحياء بحسب انتماء القاطنين فيها الى هذا المذهب او ذاك. أحداث السبت الفائت، كما الأحداث التي تنفجر مع المناسبات وارتفاع التوتر، تحول هذه الخطوط الوهمية واقعا. ينشر الجيش اللبناني جنوده وآلياته بالعشرات فاصلا بين »المقاتلين«. ومن تجول ليل السبت الفائت في الشوارع راعه هذا العدد الكبير من الحواجز والملالات، غير أنه لا بد يشعر بإطمئنان لأن جهة مسؤولة ما زالت تحفظ أمن المدينة، بعكس أيام الحرب المشؤومة.

قلل الجيش اللبناني، بدءا من يوم أمس، عديده المستنفر في الطرقات، وعادت الحياة الى طبيعتها، تحت طقس عاصف بات على ما يبدو المؤشر الوحيد الى حسن حظ اللبنانيين هذه الايام لأنه سيمنع الشبان من الأطراف المتخاصمة من التعارك.

فتحت المحال التجارية. لكن الخطوط ما زالت موجودة. وهي تحز في النفوس. تميز بين هويتي بائع الخضار وصاحب محل الخبز المجاور: الأول يفدي »حزب الله« بروحه، والثاني يبايع »الشيخ سعد الحريري« بدمه. الأول يرفع في محله صورة للامين العام للحزب السيد حسن نصر الله، شاهرا إصبعه في وجه من يفترض أنه الطرف الآخر، ويتوعد: »أي يد ستمتد إلى سلاح المقاومة، يد إسرائيلية سنقطعها«. وعلى ماكينة المحاسبة عند الثاني صورة للرئيس الشهيد رفيق الحريري وابنه سعد، وعليها: »الله يحميك يا شيخنا«.

الانقسام يقطع قلب العاصمة، وطوائفها ومذاهبها. دائرته ضاقت كثيرا. صاحب محل الألبسة على مشارف حي اللجا يقول إنه ما شعر يوما بخوف يماثل خوفه الآن من »المجهول«. محله يقع في نقطة تشهد كل فترة اشكالات بين أبناء الحي، وغالبيتهم توالي »حركة أمل« و »حزب الله«، وبين شارع مار الياس التجاري وامتداداته حيث النفوذ الواسع لـ »تيار المستقبل« والحزب التقدمي الاشتراكي. في الاشكالات الأخيرة، لم يتعرض المحل أو أي من الأخرى المجاورة له للأذى. لكن، من يضمن ألا يكون الآتي أعظم؟ »اليوم لم تفلح الاشاعات بأن شباب حي اللجا يتعرضون للمارة من أنصار المستقبل، في جعل شبان المستقبل ينزلون إلى الشارع ويقومون بالمثل، في الاشكالات المقبلة من يضمن ألا تفلح الشائعات؟«، يقول متوقعا أن تشهد الأيام المقبلة أحداثا مماثلة، فـ »الشباب قلوبهم ملآنة حقدا على بعضهم بعضا«.

في تقاطع كورنيش المزرعة الذي يصل الطريق الجديدة ببربور تبدو الصورة أكثر تعبيرا: لافتات وصور شهرت متقابلة تأكيدا للاختلاف في الهوية والانتماء. من جهة الطريق الجديدة، تتكثف صور الرئيس الحريري ونجله واعلام »تيار المستقبل« وشعارات »الحقيقة« الزرقاء. كما ترفع صورة من وحي عيد الحب، ترسم قلبا في جانب منه صورة الرئيس الحريري، وفي الجانب الآخر المفتي الشهيد حسن خالد، ويخترق القلب سهم يبدأ في 16 أيار (مايو) 1989 وينتهي في 14 شباط (فبراير) 2005، وعبارة: »قلب العروبة الدامي«.

في المقلب الآخر من التقاطع، حيث بداية شارع بربور تبدو الهوية أيضا مشهورة للعيان. على أعمدة الكهرباء والجدران ترتفع أعلام سود لـ »حركة أمل«، وصور كثيرة للإمام المغيب موسى الصدر.

عبارات مثل: »هيهات منا الذلة«، و »القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة«، تكثر هنا، وتطبع المنطقة بطابع النقيض مع المقلب الآخر. في العادة تبدأ الشرارات عند الكورنيش الفاصل بين الجهتين. وغالبا، يتهم طرف من الاثنين خصمه بأنه كان البادئ بالهجوم على منطقته، فاضطر الى الرد ليحمي »المنطقة«.

من بربور إلى البسطة، حيث الاشكالات المتجددة، تنتشر لافتات وشعارات وصور زعماء الطرفين. أمام تعاونية البسطة ترتفع صورة كبيرة لرباعي المعارضة: رئيس المجلس النيابي نبيه بري والسيد نصر الله ورئيس تكتل »التغيير والإصلاح« ميشال عون والوزير السابق سليمان فرنجية. لافتة: »لا للفتنة بين المسلمين«، تقابل الشعارات المتناقضة، ولا تجد صداها في أي من طرفي الصراع. فـ »من ينزل إلى الشارع لا يهمه كثيرا الوحدة بين المسلمين، هؤلاء زعران من الفريقين«، بحسب توصيف مريم، وهي سيدة في العقد السادس من العمر، تقطن في البسطة الفوقا منذ »سنوات لم أعد أتذكر عددها«. لا تلبث مريم أن تبدي ارتياحا إلى ما أفيد عن اتفاق على إجراءات تتخذها الأطراف المعنية (حركة »امل« و »حزب الله« و »تيار المستقبل«) للحد من المواجهات بين أنصارها.

في فضاء البسطة تلوح أعلام »حزب الله« إلى جانب صور نصر الله وعلى أرضها يقف عناصر الجيش المنتشرون تحت المطر في يوم بيروت العاصف.

في شارع محمد الحوت في رأس النبع ترتفع لافتة عليها: »الشارع بالشارع والمهرجان بالمهرجان والتعبئة بالتعبئة والبادي أظلم«. لا تحمل اللافتة توقيع أي من أحزاب الفريقين المتخاصمين، فتبدو كأنها عنصر الإجماع النابض في قلب العاصمة المنقسمة على الخوف.

Monday, February 18, 2008

ليلة الاشتباكات الطويلة

عن ليلة الاشتباكات الطويلة ... والمسالك الآمنة قليلة


منال أبو عبس
Al-Hayat (610 كلمة)
تاريخ النشر 18 فبراير 2008


ترن الهواتف الخليوية واحدا تلو الآخر. تتبدل ملامح أكثر من وجه دفعة واحدة. وترتفع عبارات استهجان كثيرة، ترافق أسئلة من نوع: »شو ولعت«؟ باللبنانية العامية، والتي تعني: »هل انطلقت شرارة الحرب« بالعربية الفصحى.

يتوالى رنين الهواتف، وتتوالى الأنباء عن اشتباكات متنقلة. رأس النبع ثم البسطة وبربور وحي اللجا ومار الياس. الأخبار المتناقلة تفيد بأن لا مسالك آمنة لمن أراد مغادرة منطقة الحمرا منتصف ليل أول من أمس. والمقهى المكتظ بالزبائن كعادته في كل نهاية أسبوع، متمسك بقراره الملصق على الحائط: »الحكي أحلى، بلا سياسة«. وهو في هذه الحال يعني أن لا قرار يسمح بمشاهدة قنوات الأخبار، بدلا من المباراة الودية بين فريقين من المقلب الآخر من الكرة الأرضية.

»عم يحرقوا محلات ببربور يا شباب«، تقول آخر الأخبار الخليوية. تقع العبارة كالصاعقة على الوجوه. ويفعل الخوف فعل النقر في العظام. الخوف من التبدل الطارئ على قواعد الشغب شبه اليومي، يضع الآن بيوت أيا كان ومصالحه في دائرة الاستهداف. فالشغب بين أنصار الأكثرية وبالأخص »تيار المستقبل« والمعارضة وبالأخص »حزب الله« وحركة »أمل«، وصل إلى حد الأذى في الأملاك الخاصة. وأصحاب المحلات في بربور ليسوا من فريق واحد ولا طائفة واحدة، مثلهم مثل اصحاب الأملاك في بقية مناطق بيروت التي يستحيل الفرز بين جمهور الفريقين فيها.

الخبر الخليوي التالي يقول إن »المسلحين خرجوا من حي اللجا، وقطعوا شارع مار الياس، وهم الآن يتعرضون للمارة من الفريق الأخر«. الخطر إذا يقترب وتتوسع دائرته. يفرغ المقهى المكتظ من زبائنه. وتعلو همسات الأسئلة عن كيفية الوصول إلى منطقة معينة من دون المرور بـ«مناطق الصراع«. المسلك الآمن لن يتوافر للجميع. الاشتباكات تضرب في مناطق لا يمكن الالتفاف عليها جميعها، كما أنها تمتد في اتجاه مناطق أخرى بسرعة. قرار »البقاء حيث أنت«، يقال أنه الأنسب في أحوال كهذه. السكون أفضل من التجول في شوارع بيروت. لكن، المقهى صار شبه فارغ، ومباراة كرة القدم بين فريقي آخر الدنيا لم تنته بعد.

شارع الحمراء أيضا صار خاليا. لا زحمة سيارات ولا عجقة شبان وشابات، كما في كل نهاية أسبوع. والبعض قرر مغادرة بيروت ليلا إلى فنادق مناطق آمنة في جبل لبنان وغيرها، أو إلى منازل أقارب وأصحاب تيسر الوصول إليهم.

الاشتباكات ألقت بظلالها على شوارع بيروت غير المشمولة بـ »الصراع« وأفرغتها زحمتها. كورنيش البحر يشكل مخرجا من وحشة الحمراء. الساعة تجاوزت منتصف الليل، وجولة بجانب البحر قد تنقي الرأس من أفكار سود تقرع طبولها فيه. لكن، لم يسبق أن كان البحر موحشا، كما بدا ليل أول من أمس. لا سيارات على الجوانب، ورافعة قوى الأمن الداخلي تجول الشارع مطلقة صفاراتها وإشاراتها الضوئية في مشهد يذكر بأن ثمة حربا تدور في شوارع في جانب آخر من بيروت. ممنوع أن تبيت السيارات ليلتها على رصيف الكورنيش، يأمر الصوت الآتي من الرافعة.

حسنا، لن تبيت السيارة ليلتها بجانب الرصيف. فالأخبار الخليوية تقول إن الاشتباكات طوقت وانتهت، وإن الجيش منتشر على الطرق، ما يعني أن العودة إلى المنزل صارت ممكنة.

يدخل الهواء باردا من نافذة السيارة وهي تجول طرق بيروت فجر أمس. تمر السيارة بمستوعبات النفايات المقلوبة في عائشة بكار. تمر بعصي الخشب والحجارة والمستوعبات في مار الياس وبالأسلاك الشائكة التي نصبت في أكثر من شارع. تمر بعناصر مكافحة الشغب يشكلون سدين منيعين متقابلين يمنع التقاء شبان الطريق الجديدة وبربور أمام جامع عبد الناصر، وبحطام السيارات والمحلات المحترقة في البربير. وتمر بالحواجز الحديد التي تجبر السيارات على لــعب »الزيك زاك« لاجتيازها في المتحف والصــنائع وقرب دار الــفتوى.

تمر السيارة بالبسطة التي تعج بعناصر الجيش وبشارة الخوري لتصل إلى الخندق الغميق. هنا صورة الدبابات والعسكر والركام ومستوعبات النفايات تفوق ما يمكن وصفه باشكالات بين شبان.

هنا يقف جنود كثر بسترات واقية من الرصاص. يتجه أربعة منهم في اتجاه السيارة. يقف اثنان أمامها لمنعها من التقدم، ويتوجه آخران في اتجاه السائق لتفتيش السيارة.

العاصفة التي وعدت مصلحة الأرصاد الجوية بها، لم تصل بعد. العاصفة الأخرى وصلت قبلا. عاثت في الأرض فسادا، وأيقظت في النفوس خوفا موجعا من انفجار تختبئ منه المدينة خلف شــوارعها وأزقتها.

Friday, February 15, 2008

تشييع عماد مغنية. وغضب الضاحية

«حزب الله» يشيع الشهيد عماد مغنية بحزن وغضب في ضاحية بيروت الجنوبية


منال أبو عبس
Al-Hayat (613 كلمة)
تاريخ النشر 15 فبراير 2008


شيع « حزب الله » أمس في مجمع سيد الشهداء في الضاحية الجنوبية لبيروت، أحد أبرز قادته العسكريين والأمنيين عماد مغنية المعروف بـ« الحاج رضوان » الذي كان اغتيل في دمشق بتفجير سيارته ليل الثلثاء - الأربعاء.

وعند الثالثة والنصف عصرا، خرج نعش مغنية ملفوفا بعلم الحزب الأصفر ومحمولا على أكف شبان من »حزب الله« من المجمع، في اتجاه مثواه الأخير في مدافن روضة الشهيدين. غص صوت مقرئ مجلس العزاء، وهو يردد بحزن: »حاج رضوان، شهادة مباركة. حاج رضوان، في أمان الله يا حبيب«. وبينما الأيدي تلوح للنعش مودعة، ارتفع نحيب النسوة المتشحات بالأسود، وغابت وجوه رجال كثر تحت أكف أيديهم. واهتزت الأجساد على وقع بكاء الرجال.

في تشييع عماد مغنية بكى الرجال وانتحبت النسوة. وعلى وقع هتافات »الموت لأمريكا. الموت لإسرائيل«، وهتافات »لبيك يا نصر الله« و »لا اله إلا الله، والشهيد حبيب الله«، سار الآلاف من أنصار »حزب الله« في وداع قائد ما عرفوا صورته إلا بعد مماته.

في هدوء يشبه البكاء همسا، رحل مغنية إلى روضة الشهيدين شهيدا جديدا، محاطا بمن أحبوه.

لكن، قبل رحلته الأخيرة، ولساعات عدة، كان نعش مغنية مسجى على المنصة داخل قاعة المجمع. في اتجاه النعش، تسمرت أنظار المعزين، وأمامهم مباشرة صورة غير منشورة لمغنية بلباس المعركة، وتظهر رأسه من ناحية الجانب. المنصة كما القاعة وخارجها تحت حراسة عناصر أمن »حزب الله« المتشحين بالأسود حتى القبعات، والذين تولوا أيضا تأمين حضور الرجال والنساء في ركنين مفصولين.

أسفل المنصة، وفي مواجهة الحشد، جلس فايز مغنية والد الشهيد إلى جانب المقربين وأعضاء من المكتب السياسي لـ »حزب الله« ونائب الأمين العام لـ »الحزب« الشيخ نعيم قاسم ورئيس كتلة »الوفاء للمقاومة« النيابية محمد رعد وممثل رئيس المجلس النيابي نبيه بري النائب علي حسن خليل وشخصيات كثيرة يتقبلون التبريكات. إلى هؤلاء انضم أيضا، وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي على رأس وفد من الجمهورية الإسلامية. في وسط الصف الذي يضم هؤلاء وأمام النعش مباشرة جلس مسؤول العلاقات الخارجية في الحزب نواف الموسوي، وأمامه مباشرة يقف أربعة من رجال الأمن في الحزب يحجبون الرؤية عن الكرسيين الملاصقين لكرسيه، حيث ولدا مغنية مصطفى وجهاد.

في هذه القاعة كان الصمت مطبقا. لا يقطعه إلا صوت نحيب أو همس بكاء. صمت يخرقه طلب لأحدهم: »صلوا على النبي«. هنا يقف الجميع دفعة واحدة، ويرتفع الصوت: »اللهم صلى على محمد وآل محمد«. القبضات أيضا، سترتفع في وقت لاحق. خلال خطاب الأمين العام لـ »حزب الله« السيد حسن نصر الله المنقول على شاشة كبيرة ارتفعت أكثر من مرة. وترافقت مع عبارات: »لبيك يا نصر الله«.

يقول السيد عبارة معناها إن »موت مغنية يجعل العد لبدء زوال إسرائيل يبدأ«. العبارة الأخيرة تقع على الحاضرين وقوع كلمة سر، فيقف الجميع دفعة واحدة، وترتفع القبضات عاليا، والهتافات: »لبيك يا نصر الله«.

كلمة السيد لا تستغرق وقتا طويلا، غير أن فيها وعدا بأنه سيتحدث لاحقا عن من هو عماد مغنية. تبدأ مراسم الصلاة على جثمان الشهيد. تعزف فرقة الكشافة نشيد الموت ثم نشيد الحزب. يؤدي الشبان تحية عسكرية للنعش، تليها أوامر عسكرية: »تأهب«، »مكانك«.

ينزل الشبان النعش من المنصة، ويتولى الشيخ نعيم قاسم الصلاة عن روح الشهيد، وقد وضع أمام الصف الأول للمعزين. تنتهي الصلاة ويرفع النعش مرة ثانية على الأكتاف. تبدأ الأيدي بالتلويح. تنتحب النسوة ويجهش الرجال.

عصر امس، غادر عماد مغنية إلى مثواه الأخير شهيدا. قبل مغادرته كانت أناشيد دوت باسمه وترددت في الأصداء: »من عزيمتنا لن ينالوا. من مسيرتنا لن ينالوا. كلنا ايمان. كلنا رضوان« وأخرى: »ابدأ بعرسك لم تزل، بك الشهادة تحتفل، من قال رضوان رحل، كلا وما رحل البطل«.

أمس، حمل نعش الحاج رضوان شبان تربوا على عقيدته. ردد هؤلاء عباراتهم الجاهزة مع تشييع كل شهيد: »لا اله الا الله والشهيد حبيب الله«، »يا الله يا الله احفظ لنا نصر الله«، وأمامهم رفرفت رايات »حزب الله« السود. ورددت الحناجر عبارات: »الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل«. كما رفعت لافتة باسم »السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي«، وعليها صورة مغنية: »لم يقفل الحساب، فلا تقلق. فتح الحساب، ولن يغلق«.

Thursday, February 14, 2008

الخبر الصباحي الثقيل يصيب الضاحية بالسكون


المعزون يتدفقون في حضور نجلي الشهيد وجده ووالده الذي فقد أبناءه الثلاثة
الخبر الصباحي الثقيل يصيب الضاحية بالسكون


منال أبو عبس
Al-Hayat (591 كلمة)
تاريخ النشر 14 فبراير 2008
يقع الخبر الصباحي العاجل ثقيلا. خبر من خارج المعادلة المفروضة على أذهان اللبنانيين منذ أكثر من ثلاث سنوات. استشهاد عماد مغنية، أبرز قياديي »حزب الله«، في تفجير في دمشق. تصديق الخبر يستوجب قراءة ثانية وثالثة. إذ، وفق المعادلة القسرية منذ محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة، عماد مغنية ليس أحد قادة 14 آذار (مارس)، والمخاوف كانت حتى ساعة ورود الخبر العاجل منصبة في اتجاه واحد: تفجير على شاكلة جريمة عين علق (قبل يوم واحد من ذكرى 14 شباط الماضي)، لمنع جمهور »ثورة الأرز« من العودة إلى ساحته مرة جديدة.

عنصر المفاجأة يثقل الخبر. اغتيال قائد عسكري وأمني، قد يكون الأرفع في »حزب الله«، في عملية تتطلب خرقا أمنيا دقيقا في قلب العاصمة السورية دمشق، هو مفاجأة من العيار الثقيل. لكن، عدا عن المفاجأة، بدا الهدوء مخيما على مناطق نفوذ »حزب الله« على امتداد نهار أمس.

عند الحادية عشرة ظهرا، كان حارس المبنى في بيروت يردد الخبر العاجل على مسمع السيدة. »انفجار في سورية. ومات عماد مغنية«، يقول. لا تعني العبارة للسيدة شيئا، ولا يبدو عليها أنها عرفت بالأصل من هو مغنية. لكن الجملة تقع وقوع الصاعقة على مسامع رجل يحمل طفلا، كان يهم بمغادرة المبنى. »شو؟«، يسأل الرجل، ولا ينتظر أي جواب: »عماد مغنية؟ عماد مغنية... زلزال. الرجل مثل السيد (حسن نصر الله) في الحزب«.

الذهول الذي خيم للتو على وجه كل من الحارس والسيدة، يغيب عن شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت. هنا، لا شيء يدل على هول الواقعة، وعلى أن الخطر قادر على الضرب في موضع موجع. الحياة عادية كما في كل يوم. زحمة السيارات والمارة وأصوات الباعة والمحال وعناصر الانضباط التابعون لـ »حزب الله« وسط الطرق. كل شيء عادي، حتى يخال المتجول أن الحدث الكبير يعني أشخاصا آخرين غير الموجودين هنا.

أمام جامع »القائم« في قلب الضاحية، يبدو الأسود لونا غالبا. يتجمع عدد من النسوة على أحد الأرصفة. ويصطف الرجال على درج الجامع، في مقابل رجال آخرين على جانب الطريق. وكما هي الحال في مجمع »سيد الشهداء« الذي يتحضر براياته السود لاستقبال المعزين بعد قليل، فإن تعليمات الانضباطيين بأن على الصحافيين التوجه إلى مكتب العلاقات الإعلامية لـ »حزب الله«.

الطريق من المجمع إلى المكتب تمر بأسواق تجارية لم تقفل حدادا. وما يمكن أن يردده أي من الناس هنا، لن يتعدى ما يعرفه سائق سيارة الأجرة المناصر لـ »حزب الله« عن الشهيد: »والله كان مهما جدا بالنسبة إلى الحزب ونفذ عملية قتل جنود المارينز في بيروت عام 1983، كما شارك ميدانيا في حرب تموز (يوليو) الأخيرة«. وباستثناء الأحاديث الشعبية المنقولة بالتواتر، تغيب عن أذهان الناس أي صورة ملموسة تربط الشهيد بذاكرتهم، أو بما يمثله في »حزب الله«.

في مكتب العلاقات الإعلامية تبدو الصدمة أشد وطأة. يتململ الصحافيون من قرارات منعهم من التصوير أو من بث تقاريرهم من الضاحية. وينهمك المسؤول الإعلامي في »حزب الله« الدكتور حسين رحال في محاولة الحصول على قرار، سيصدر قبل الثانية بعد الظهر، يسمح للصحافيين بتغطية التعازي في مجمع سيد الشهداء.

في مجمع سيد الشهداء يبدو المشهد أكثر قسوة. الحزن مؤلم وصادق. في الصدر يجلس نائب الأمين العام لـ »حزب الله« الشيخ نعيم قاسم ورئيس المجلس التنفيذي في الحزب السيد هاشم صفي الدين، ومعهما يقف والد الشهيد فايز ومعظم نواب »حزب الله«، وسياسيون كثر من فريق المعارضة. الوالد متماسك. هذا ابنه الثالث الذي يستشهد بعد فؤاد وجهاد. أما الجد، والد الوالد، فيحضن ابنه الذي خسر أولاده الثلاثة، ويغرق على صدره في بكاء عميق.

على بعد أمتار من الوالد، يرقد الابن في نعش مسجى على المنصة ملفوفا بعلم الحزب الأصفر. تصوير النعش ممنوع، كذلك بضعة رجال يقفون اسفل المنصة. بين هؤلاء شابان لا يتوقفان عن البكاء. هما ولدا مغنية، مصطفى وجهاد. يفصل بينهما وبين المعزين مجموعة من الشبان يصطفون مواجهين لهما، لمنع الكاميرا من التقاط وجهيهما الحزينين على الأب الذي هما من قلة قليلة كانت تعرف وجهه.