Saturday, January 7, 2012


عدد القتلى يرتفع مع تواصل أعمال الإنقاذ وتسابق سياسي على التضامن مع الضحايا وذويهم
انهيار مبنى الأشرفية يفتح ملف الأبنية القديمة: المالك حذر المقيمين قبل دقائق... ولا حديد بين الركام


منال أبو عبس

تقدمت حادثة انهيار مبنى قديم في محلة الأشرفية في بيروت مساء أول من أمس اهتمامات اللبنانيين، سياسيين ومدنيين أمس، بخاصة أن الحادثة التي ما زالت التحقيقات دائرة للوقوف على أسبابها، أسفرت حتى عصر أمس، ووفق مدير عام الدفاع المدني العميد ريمون خطار، عن سقوط 21 قتيلا، بينهم 7 لبنانيين، 7 سودانيين، 3 فيليبينيين ومصريان اثنان، تضاربت المعلومات حول أسمائهم نظرا إلى أن عددا منهم لم تكن في حوزته أوراق ثبوتية .وكانت فرق الإنقاذ نجحت ليل أول من أمس في انتشال 11 جريحا نقلوا إلى المستشفيات القريبة للمعالجة من كسور أصيبوا بها، في حين واصلت فرق الدفاع المدني والإطفاء والصليب الأحمر عمليات البحث عن ناجين أو جثث تحت الأنقاض على رغم رداءة الطقس .

وأعادت الحادثة خلط الأولويات في لبنان أمس، إذ، وكما مع كل كارثة وطنية، خفت الضوء عن المشكلات السياسية الكثيرة، ليسلط على مشكلة أخرى إنسانية - اجتماعية، هي مشكلة المباني القديمة التي لم تعرف طيلة السنوات التي تلت الحرب الأهلية وعلى مدى الحكومات المتعاقبة على البلد، حلا يريح أيا من جانبي النزاع المستدام، المالكين القدامى والمستأجرين، بقانون جديد للإيجارات، أو حتى يضمن السلامة العامة للجميع .ومع سقوط القتلى الذين لم يتوقف انتشال جثثهم من تحت الأنقاض، لا يبدو أن هذه المشكلة ستطوى .فوفق مهندسين متابعين شؤون المدينة يعود عدد كبير من المباني في بيروت إلى النصف الأول من القرن الماضي، وكان بعضها يتكون في تلك الفترة من طبقات قليلة، أضيفت إليها وعلى مدى السنوات اللاحقة، طبقات إضافية 'غير شرعية 'من دون مراعاة لمعايير السلامة العامة، تاركة الباب مشرعا أمام احتمال وقوع حوادث إضافية قد ينجم بعضها من أعمال حفر قريبة من الأبنية القديمة أو حتى كوارث طبيعية ليس البلد بمنأى عنها .





منطقة أمنية

وكان الشارع الفرعي الذي يقع فيه المبنى المنهار في منطقة الأشرفية على مقربة من مصلحة المياه، تحول إلى منطقة أمنية، تحرسها مجموعة من عناصر قوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني مشكلين سدا يمنع الوصول إليها إلا للمعنيين ولبعض قاطني المبنيين القديمين المجاورين للمبنى المنهار واللذين أخليا كليا ليل أول من أمس، إضافة إلى السياسيين الذين توافدوا ما إن تردد خبر انهيار المبنى في مشهد يعيد إلى الأذهان صورتهم قبيل كل انتخابات نيابية، معلنين، كما مع كل كارثة يشهدها البلد، تضامنهم مع المتضررين .وكان تضامنهم هذا، سببا لحال من الهرج والمرج شهدتها المحلة وأدت إلى إشكالات وتدافع بين عسكريين وبين الأقارب الذين توافدوا لتفقد أقربائهم واشتكوا من سوء معاملة من جانب القوى الأمنية .

ووصلت فرق من الدفاع المدني والصليب الأحمر الليل بالنهار سعيا لانتشال من لا يزال تحت الأنقاض من سكان المبنى الذي لم يبد أن ثمة عددا محددا للموجودين داخله لحظة انهياره، بينما قدر الجيران العدد ب48 شخصا، معظمهم من آل فرح وجعارة وعبدالكريم ونعيم، إضافة إلى أجانب من التابعيات المصرية والسودانية والفيليبينية يقطنون الطبقات السفلية .كما تولت العناصر الأمنية تأمين الدعم لفرق الإنقاذ وتأمين الطريق لمرور الجرافات التابعة لوزارة الأشغال خلال نقلها الردميات إلى خارج المنطقة .

وغير بعيد مما يبدو خلية للنحل، شرح جيران ومهندسون بعضا مما حصل .وأشار رجل يقطن في مبنى مجاور إلى أن المبنى المنهار عمره 60 سنة، وأنه مكون من ست طبقات شيدت في فترات زمنية منفصلة من دون مراعاة إشراف هندسي .ودعم أحد المهندسين الموجودين في المكان كلام الجار، مشيرا إلى مخلفات المبنى التي تشبه الرمل، ليس بينها قضبان حديد كافية لصمود مبنى من سبع طبقات .في حين اتهم صاحب محل البقالة في أحد المبنيين المجاورين اللذين أخليا ليلا 'المتعهد الذي أشرف على تشييد المبنى الجديد الملاصق للمبنى المنهار بأنه لم يراع الأصول خلال عمليات الحفر وبأنه كشف أسس المبنى المنهار '.غير أن أيا من الأسباب لم يتم تأكيده بانتظار التحقيقات التي بوشرت، في ظل ما كشفه ناجون وجيران عن أن مالك المبنى طلب من القاطنين مغادرته قبل أقل من نصف ساعة من انهياره، محذرا إياهم من خطورة المبيت فيه، وأن عددا من الضحايا سقط بينما كان يحاول الدخول إلى المبنى لنقل أقاربه المسنين أو المقتنيات الثمينة فانهار الأخير قبل أن يتمكنوا من مغادرته إلى منزل آخر ليس متوافرا لمعظمهم، أو إلى بيوت أقارب وأصدقاء .


أحاديث الناجين

وتحدث الناجون الذين نقلوا إلى المستشفيات المجاورة عن اللحظات التي سبقت الانهيار .وقال ألبير يزبك إنه يقطن منذ 40 عاما في الطبقة السادسة من المبنى الذي اشتراه أخيرا الخياط ميشال سعادة وشقيقه، ولم يتقاض أي إيجار في السنوات الثلاث الأخيرة .وحمل صاحب المبنى المسؤولية 'لأنه كان يعرف أن المبنى متصدع، لكنه قال خليهم يموتوا .كان يريدنا أن نخلي المبنى من دون أن يدفع لنا '.وروى يزبك كيف أنه شعر فجأة بشيء يهبط 'وصرت أصرخ ورجلاي عالقتان بين الحجارة قبل أن ينقذني عناصر الصليب الأحمر '.

وحملت عايدة عبدالكريم القابعة في المستشفى مع حفيديها أنطونيلا وأنطوني في انتظار معرفة مصير حفيدتها الثالثة آن ماري، على صاحب المبنى، وقالت :'ليلة الميلاد سمعنا صوت انفجار أحد أعمدة المبنى (قال آخرون إن المالك رممه لاحقا ).جاء المالك بعد ثلاثة أيام وقال الوضع سيكون مخيفا من الآن وصاعدا '.

وأكد رئيس بلدية بيروت بلال حمد ل 'الحياة 'أن مسؤولية أي بناء فيه تصدعات أو تشققات وفق قانون البناء تقع على المالك .وأشار إلى أن البلدية ليست شركة هندسية تملك مختصين بالترميم والتدعيم .لكن، 'إذا تلقينا شكوى من أحد القاطنين، عن تشققات نقوم بالكشف الفني ونوجه إنذارا إما بإخلاء المبنى وإما بالترميم '، لافتا إلى أن المجلس البلدي يدرس الطرق الكفيلة بوضع اليد على الأبنية القديمة التي شيدت قبل عام 1970 لمعرفة أوضاعها .في وقت واصلت بلدية بيروت اجتماعاتها مع المعنيين لبحث الخطوات المقبلة .وكان حمد تلقى اتصالا من الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري مساء أول من أمس أبدى خلاله أسفه لسقوط الضحايا والجرحى .كما اتصل الحريري بعدد من نواب بيروت، داعيا إلى 'التحرك بسرعة ومواكبة عمليات إنقاذ المحتجزين '.

ميقاتي يعوض على المتضررين

وفي سياق معالجة تداعيات الحادثة، أصدر رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أمس قرارا بتشكيل لجنة لإجراء التحقيق اللازم لتبيان الأسباب التي أدت إلى انهيار المبنى، وتقديم الاقتراحات في شأن وضعية الأبنية القديمة التي قد تكون معرضة للانهيار والتي يمكن أن تشكل خطرا على السلامة العامة، على أن ترفع تقريرها خلال مهلة 15 يوما .وأعلن الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة العميد إبراهيم بشير أن 'مجلس الوزراء بناء على توجيهات رئيسه قرر التعويض على المتضررين من انهيار المبنى، وعلى السيارات المتضررة، وتأمين مأوى لجميع العائلات عبر استئجار مساكن للعائلات المتضررة '.

وكلف وزير الأشغال العامة غازي العريضي التنظيم المدني إعداد تقرير تفصيلي عن الحادث .

وبحثت لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه في جلسة استثنائية عقدتها عصر أمس برئاسة النائب محمد قباني موضوع انهيار المبنى وتدابير السلامة العامة المطلوبة .وطالب قباني بإنشاء هيئة إدارة الكوارث في لبنان، واصفا الهيئة العليا للإغاثة بأنها 'هيئة دفن الموتى، وتعطي شيكات لمن ماتوا '.وأشار إلى 'مراسيم موجودة إلا أنها لم تطبق من سبع سنوات، وتقول بوجوب وجود مكاتب تدقيق للمباني الجديدة، لكنها لم تنشأ منذ سبع سنوات حتى الآن '.ورأى أن 'المهم اليوم هو الأبنية القديمة، وإذا حصل زلزال فإن 20 في المئة من أبنية بيروت ستنهار '.

كما عقد نواب بيروت اجتماعا في مكتبهم في المجلس النيابي لبحث الموضوع .

توقيف صاحب المبنى

وأكد وزير الداخلية مروان شربل ل 'صوت لبنان 'أن المبنى المنهار 'يفتقد الأساس وهو أشبه بعلبة كرتون إذ لم نعثر على آثار للحديد المستخدم عادة في الأبنية '.وكشف عن توقيف صاحب المبنى، وقال إنه رهن التحقيق في الفصيلة المعنية، طالبا من المواطنين مساعدة الدولة والبلديات عبر تقديم الطلبات للكشف على المباني القديمة والتي عمرها ما بين أربعين وخمسين عاما .

وكان عدد من السياسيين تفقد المبنى المنهار ليل أول من أمس، وشدد رئيس الجمهورية ميشال سليمان من الأشرفية على أهمية 'إجراء كشف دوري على الأبنية، لا سيما القديمة منها ضمن نطاق البلديات واتخاذ الإجراءات الكفيلة لحماية ساكنيها '، معلنا أنه سيتم التشدد في إجراءات المراقبة .
الموضوع :أخبار
المصدر :الحياة

Sunday, December 25, 2011


الفرزلي يراه حلا للصراعات ومتري يعتبره سببا في مزيد من العزلة
مشروع 'اللقاء الأرثوذكسي' لقانون الإنتخاب: تمثيل صحيح أم 
انفصال طائفي... عنصري ؟


منال أبو عبس


<
في أواخر أيلول (سبتمبر) الماضي، قال الرئيس اللبناني ميشال سليمان ان 'لا بد للبنان إذا أراد تصحيح مساره السياسي، أن يعتمد مشروع القانون الذي أقرته لجنة صياغة قانون الانتخاب برئاسة الوزير السابق فؤاد بطرس معدلا أو كما هو'. ورأى، خلال تقليده بطرس وسام الأرز، أن 'الإصلاحات التي يتضمنها المشروع مهمة جدا إذا أخذ بها، أو اعتمدت النسبية، إذ لا مجال لتغيير الحياة السياسية في لبنان، إلا من خلال اعتماد قانون انتحابي جديد لأن القانون الحالي انتهت فعاليته'.

مرت إشادة سليمان هذه بما يعرف ب 'قانون فؤاد بطرس 'الانتخابي، مرور الكرام، في حين كانت الزوبعة السياسية تدور على أشدها حول النقيض التام لمشروع بطرس، وهو مشروع قانون 'اللقاء الأرثوذكسي 'الانتخابي الذي يحصر بكل طائفة انتخاب ممثليها في البرلمان .زوبعة أعادت إلى الواجهة السياسية بعد غياب، النائب السابق لرئيس المجلس النيابي إيلي الفرزلي، كما أعادت الاتهامات للمسيحيين بالسعي إلى 'الانعزالية 'و 'التقسيم 'و 'الفدرلة '.



الاتهامات هذه ينفيها الفرزلي في شكل قاطع، ويقول إن معارضي طرحه 'إما مستولدون في كنف الزعامات المذهبية أو أطراف تسعى للحفاظ على مكاسب سياسية '.يعيد لمرات كثيرة القول إن طرحه دستوري مئة في المئة، مستعينا بالمادة 24 من الدستور التي تنص على أنه 'إلى أن يضع مجلس النواب قانون الانتخاب خارج القيد الطائفي توزع المقاعد النيابية بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين ونسبيا بين طوائف كل من الفئتين '.ويفسر أن 'المنطق كما الدستور تحدث عن مناصفة فعلية، لا شكلية .أي عن أن يكون قانون الانتخاب متلائما مع التوزع الجغرافي وألا ينتج للمسيحيين 34 نائبا (نصف عدد النواب المسيحيين في البرلمان )مستولدين في كنف الكيانات المذهبية القائمة .فما معنى أن ينتخب نائب عن الأقليات في بيروت ب9000 صوت منها فقط 200 صوت من أبناء طائفته؟ '.

'
المنطقمفردة يستخدمها الفرزلي كثيرا بانفعال من وجد نفسه أمام جمهور واسع ينظر إليه وينتظر منه أن يقنعه بقضيته .والمنطق برأيه يكمن في أن 'نؤمن المناصفة وفق ما يقتضيه الواقع الطائفي .فللكيان السني نوابه، وكذلك للشيعي والدرزي، لماذا نرضى بأن تبقى الذمم النيابية المسيحية موزعة على الكيانات النيابية المتعددة؟ '.

النقاش هذا ليس طائفيا، يقول الفرزلي، بل دستوريا، إذ يجعل 'الانتخاب على أساس لبنان دائرة واحدة، ونسبيا داخل الطوائف '.وهو سيحل مشكلة الصراع بين الطوائف الكبرى، عبر نقله إلى داخل كل طائفة، كما أنه سيخرج المسيحيين من دائرة النزاع السني - الشيعي، تحت سقفي الدستور والطائف '.

على أن الطرح الذي يحل معضلتين لا يلبث أن يقع في معضلة ثالثة أشد وطأة .فالمناصفة التي ارتضاها الأفرقاء بموجب الطائف، غطاء للاختلال العددي بين المسلمين والمسيحيين، وطمأنة للمسيحيين من مخاوف ما بعد الحرب الأهلية، لن تنجو من البحث في جدواها، عندما يفوز نائب مسيحي ببضع مئات من الأصوات في منطقته، بينما يخسر مسلم نال عشرات ألوف من الأصوات في دائرة أخرى .هذه أيضا يرد عليها الفرزلي مؤكدا أن 'المناصفة بغض النظر عن العدد جاءت ترضية مقابل التخلي عن صلاحيات رئيس الجمهورية بسبب تحالف السنة والشيعة والدروز بقيادة سورية .وأي حديث عن إلغاء المناصفة هو خروج على الطائف .وإذا أرادوا الخروج من الطائف فليعلنوا ذلك '.

وعلى رغم أن الطائف أوجد حلا لمشكلة الفرزلي عندما ذكر أنه 'مع انتخاب أول مجلس نيابي على أساس وطني لا طائفي يستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية '، فإن ذلك يعيدنا، وفق الفرزلي، إلى طرح اللقاء، إذ 'علينا قبل إنشاء مجلس الشيوخ أن نجري انتخابات على أساس وطني .بمعنى أن مجلس النواب الطائفي الذي يضم ممثلين شرعيين لطوائفهم عليه أن يضع قانونا للانتخاب خارج القيد الطائفي '.

أكثر ما يغضب الفرزلي أخيرا، هو رفض رئيس الحكومة نجيب ميقاتي 'الطرح الأرثوذكسي 'على اعتبار أنه 'لا يفيد لبنان ولا الطائفة '، فيقول عن ميقاتي إنه 'لا يتجرأ على أخذ موقف لا بالنسبية ولا بغيرها، لأن حلفاءه الحقيقيين يرفضون النسبية .هو الآن يتحمل مسؤولية مباشرة عن عدم استصدار قانون انتخاب ومحاولة على العودة إلى قانون الستين لارتكاب مجرزة جديدة بحق المسيحيين '.

متري :كالفصل العنصري

ينطلق الوزير السابق والمحاضر في الجامعة الأميركية في بيروت طارق متري في الرد على الطرح انطلاقا من التسمية، ليؤكد أن 'الأرثوذكس ليسوا كلهم مع الطرح الذي قدمته مجموعة من السياسيين الأرثوذكسيين '.ويعلق بهدوء الأكاديمي على ما رشح عن لقاء بكركي، مؤكدا أنه التقى مشاركين في اللقاء، 'وما خرجت من حديثي معهم أن ما حصل في بكركي هو إما التباسات في المواقف وإما مزايدات ومناورات .ومن كان ضد القانون اضطر إلى السكوت كي لا يقال إنه ماروني أقل من غيره، والمناورون طلبوا التفاوض مع الشركاء في الوطن - ويعرفون مسبقا أن هؤلاء لن يقبلوا - طمعا بمكاسب '.ويضيف :'يعرفون جيدا أن اقتراح قانون الانتخاب هذا لن ترضى به غالبية النواب بغض النظر عن طوائفهم، وأنه يخالف اتفاق الطائف مخالفة صريحة '.أما عن وجه الصراحة لهذه المخالفة، فيقول متري :'الطائف جاء تلبية لطلبين اجتماعيين، إلغاء الطائفية السياسية، ونظام المجلسين .وفي ذلك اعتراف بالواقع الطائفي من جهة، ومحاولة للتوفيق بين الرغبة بتأكيد المواطنة على نحو يتجاوز الطائفية، مع اعتراف بواقع أن الطوائف تريد لنفسها عناصر اطمئنان إذ إن الانتماء إليها راسخ وليس عابرا .ولم يحدد الطائف أن المجلسين سيكونان غدا، لكن في المستقبل سيكون عندنا مجلس نيابي محرر من القيد الطائفي يجيب على حاجة اللبنانيين إلى تجاوز الطائفية ومجلس آخر هو مجلس الشيوخ يمثل الطوائف ويعطيها حق الفيتو في القضايا المصيرية التي تهمها '.ويرى أن مشروع القانون المقترح يناقض ذلك، إذ 'يعتبر أن لبنان مكون من طوائف إلى الأبد، وأن المواطنة تمر عبر الانتماء الطائفي .هناك بلدان قليلة في العالم تعتمد هذا النظام وهي أفريقيا الجنوبية أيام الفصل العنصري، وباكستان حيث المسيحيون والهندوس من الأقلية، أو إيران '.

ويرى متري تلازما بين هذا الطرح وبين المناصفة، ف 'القوانين الانتخابية التي يلاحظها الطائف أي الانتخاب على أساس المحافظة والنسبية فيها اختلاط، طبيعي أن ينتخب النواب المسيحيون بأصوات المسيحيين والمسلمين، وهذا لا يعني أنهم مفروضون من المسلمين أو العكس، ولا ينفي عنهم انتماءهم لطوائفهم ولا لتمثيلها '.

ويضيف :'في نظام انتخابي كهذا سيكون من الصعب الدفاع عن المناصفة، لأنه سيظهر التناقص بأعداد المسيحيين، ويمكن أي أحد أن يقول إن هناك عدم مساواة دستورية بين نائب أرثوذكسي أو ماروني انتخبه كذا ألف من الأصوات بينما النائب الشيعي أو السني ينتخبه أضعاف هذا العدد .المناصفة التي تغطي على غياب التوازن الديموغرافي لن تعود قادرة على التغطية '.ويستعين للدفاع عن فكرته بإعطاء مثل 'الأنظمة الفيديرالية التي ينتخب فيها كل ولاية أو كانتون نوابه وتتوزع المقاعد النيابية على الأحجام '.

الملاحظة الثالثة لمتري على الاقتراح أن 'المعايير السياسية قد لا تأتي متطابقة لمعايير الانتماء الطائفي .فلماذا يفرض علي ألا أمارس حقي باختيار نواب إلا من طائفتي؟ أريد أن أختار أناسا من بلدي ويفكرون مثلي .صحيح أن نظامنا قائم على الطوائف لكنها ليست متطابقة مع الكيانات السياسية، هي ليست أحزابا '.

أما الملاحظة الرابعة، فهي عن الفائدة من تحريك هذا الطرح الآن 'وهم يعرفون أنه لن يمر ويتابع :'يقولون الآن للمسيحيين إن المسلمين ينتخبون نوابكم، وإن الإسلاميين حولنا وأمور أخرى تجعل بعض الناس يعلق آمالا على المشروع .وبعد أشهر يتبين أن القانون ليس أمامه فرصة ليقر .عندها تزداد مخاوف الناس .ونكون بحجة محاربة الخوف، زدنا الخوف '.

أما عن نقل الصراع من الطوائف إلى داخل كل طائفة، فيرى متري أن 'الحل للتوتر الطائفي ليس العزلة بين الطوائف وأن نحشر كلا منها في غرفة لتدير ظهرها للأخرى '، ويزيد :'إذا صارت المنافسة داخل كل طائفة فإن الأكثر تطرفا يمثلها، فيصير التنافس حول من هو طائفي أكثر من الآخر '.

وعن تحييد المسيحيين عن الصراع السني - الشيعي، يسأل متري :'هل يخرج المسيحيون من هذه المشكلة إذا تقوقعوا؟ لن يفعلوا .على العكس، المسيحي يجب أن يكون على اختلاط بالطرفين وأن يلعب دورا إذا كان عنده أمل ولو قليل بالتأثير في السني والشيعي ليمنع انفجار الصراع ويحافظ على البلد '.

ملاحظات متري على اقتراح 'اللقاء الأرثوذكسي 'لا تنضب، لكن البديل بنظره 'ليس بالضرورة هو قانون الستين '.ويتحدث عن هيئة حملت اسم فؤاد بطرس كلفتها الحكومة التي كان فيها متري وزيرا و 'ضمت أعضاء من كل الطوائف والاتجاهات السياسية وعملت لمدة 8 أشهر عملا جديا ووضعت قانون انتخاب يلاحظ انتخاب نصف النواب تقريبا بالنظام الأكثري والنصف الآخر بالنسبية .وهذه إيجابية .وثانيا، تم التذكير بإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية بحيث يكون النواب من طائفة معينة منتخبين في دائرة فيها أرجحية لطائفتهم .وعندها لن يقول أحد إن نائبا مسيحيا فرضه المسلمون أو العكس '.

دفاع متري عن قانون فؤاد بطرس واضح وقوي .إذ إن الهيئة التي وضعته ضمت 'أساتذه كبارا وليسوا فقط من كل الطوائف بل أيضا أصدقاء لكل القوى السياسية '.

فؤاد بطرس واحد من السياسيين اللبنانيين .هو، كما الفرزلي، أرثوذوكسي .هما قدما مشروعين على حدي نقيض في المضمون وفي الشكل وفي كل تفصيل صغير أو كبير .ومع ذلك فالمشروعان حظيا باهتمام ونقاش واسعين، وأي منهما، على الأرجح لا حظ له في التطبيق .لسوء حظ لبنان، أو لحسن حظه، هذا استنتاج يقع كما العادة في خانة وجهات النظر اللبنانية التي لا تلتقي إلا نادرا .
الموضوع :أخبار
المصدر :الحياة